لــــون الموقع
  • Default color
  • Brown color
  • Green color
  • Blue color
  • Red color
إتجـــــاه الموقع
  • leftlayout
  • rightlayout
حجم الخط
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
بأشكال اخرى
KURDî   كـــوردی  ENGLISH

ashticenter.net



القضية السورية لم تعد للسوريين

إرسال إلى صديق طباعة PDF
عبد الباقي يوسف
 
الثورة السورية على أعتاب دخول عامها الخامس ولا يزال نظام الرئيس بشار الأسد قائماً، كما أن الحلول لا تزال غائبة بالرغم من ارتفاع العدد الهائل للضحايا والدمار الذي شل البلاد.
abdulbaqi
كان من الممكن تجنّب هذه الكارثة لو أن الأسد وضع مصلحة الوطن نصب عينيه ولبى مطالب المحتجين، إلا أن النظام ما كان ليضمن بقاءه لو قام ببعض الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية. لهذا ومنذ بداية الاحتجاجات استخدم العنف والحلول الأمنية، وكالعادة بدأ يطلق سيل الاتهامات بأن نظامه الوطني الممانع يواجه مؤامرات من اسرائيل، وأمريكا، وحلفاءهم في المنطقة.

بالنسبة للمعارضة السورية، فلقد أصبحت تحت سيطرة التيارات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين، ومنشقين عن النظام ذوي النزعة والثقافة القومية والبعثية. هذه المعارضة المتمثلة بالمجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق الوطنية، لم تستطع وضع خارطة طريق لسوريا المستقبل تعبّر عن مصالح جميع مكوّنات الشعب السوري.

فأن سيطرة التيار الإسلامي على المجلس الوطني السوري وفيما بعد على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والدعم الذي تلقته المعارضة من بعض الدول العربية والإقليمية مثل تركيا، بالإضافة إلى غياب أي دور فعّال للدول الغربية في دعم القوى الديميقراطية، أدى إلى نشوء مجموعات إسلامية متشدّدة. وهذه النتائج تتوافق مع إستراتيجة ومصلحة النظام.

القضية السورية لم تعد للسوريين. النظام والمعارضة الحالية غير قادرين على أن يكونوا فاعلين في رسم ووضع الحلول لأزمة بلدهم فقط يمكن أن يكونوا شاهدين على الاحداث. فالقضية برمتها أصبحت بأيدي القوى الدولية والإقليمية، خاصة روسيا وإيران من جهة، ومن جهة أخرى الدول التي تساند المعارضة كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إلى جانب تركيا والدول العربية الخليجية. إلا أن دعم واشنطن للمعارضة اقتصر على ضمان استمراريتها وليس انتصارها ريثما تنضج المناخات و تظهر حلول مناسبة تتوافق مع رؤيتها لسوريا المستقبل في أطاره الأقليمي و الدولي.

بعد الإعلان عن ما يسمى "الدولة الإسلامية،" اتجهت الأنظار نحو التطرف العنفي في العراق وسوريا. كما أن المجزرة الفظيعة في فرنسا نتيجة الهجومين الإرهابيين على مجلة شارلي إبدو والمتجر اليهودي في باريس، خطفت أنظار العالم بعيداً عن النظام السوري نحو المنظمات الإرهابية الإسلامية في الشرق الأوسط. في حين أن تلك الأعمال الإرهابية يجب أن تدان ويجب السيطرة عليها، إلا أن التركيز على المنظمات الإرهابية فقط سيؤدي إلى تجاهل حقيقة أساسية: لا يمكن الفصل بين نظام دمشق وتلك المنظمات.

منذ بداية الأزمة، حاول النظام توجيه اهتمام العالم نحو محاربة الإرهاب، كما أنه حاول إظهار نفسه شريكا في محاربته، واعتبار المشكلة في سوريا قضية إرهاب فقط، وهذا كان محور أولويات وفده في مؤتمر جنيف 2، لكنه فشل في مسعاه. لقد استفاد النظام من انتشار التطرف ليس فقط ضمن حدوده، بل أيضاً على الساحة الدولية لأنه أبعد الأنظار عن الجرائم التي يرتكبها في سوريا.

الأزمة السورية سوف تخرج عن السيطرة إن لم تتدخل القوى الدولية لوضع حد لها فوراً. النظام الديمقراطي الذي تطمح المعارضة السورية لإقامته في سوريا في مرحلة ما بعد الأسد لا يتجاوز الديمقراطية الشكلية؛ أي سيكون هناك صناديق انتخابية، وكذلك طوابير من البشر، وإعلام لنقل الحدث، لكن كيف سيتم ذلك في بلد يفتقر أصلا إلى الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان واحترام حقوق الأقليات ويعيش في حرب داخلية ذات طابع طائفي وعلى أعتاب دخول عامها الخامس؟ بما أن النظام المركزي أثبت فشله في سوريا بعد نحو 70 عام، فعلى المجتمع الدولي التدخل لفرض نظام سياسي جديد قائم على أساس فيدرالي.


عبدالباقي اليوسف عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردي في سوريا


آخر تحديث ( السبت, 24 يناير 2015 14:12 )
 

سوريا ليست كالعراق

إرسال إلى صديق طباعة PDF
 
 بيل كيلر
 بيل كيلر
سعيا وراء رد أميركي على الحرب الأهلية في سوريا، يبدو كتيب الإرشادات المفضل هو مغامرتنا التعسة في العراق. هناك طاغية آخر في الشرق الأوسط يمسك بالسلطة باسم أقلية طائفية. وهناك مجموعة مثيرة للشكوك ضمن فصائل المعارضة تتنافس على الدعم الأجنبي. نسمع الصقور ذاتهم - جون ماكين وبول وولفويتز - يحثوننا على التدخل، يقابلهم تحذيرات مألوفة مثل مستنقع. ومزاعم استخبارية غير مؤكدة باستخدام النظام أسلحة دمار شامل.

لكن رئيس الرئيس الأميركي هذه المرة، الذي عارض الخطأ المكلف للعراق وكان محقا فيه، يحجم عن التدخل. ودأب مجلس الأمن القومي على الترنم بأننا: «لن نخدع مرة أخرى».

كقاعدة، أنا سعيد بحسابات أوباما الهادئة في السياسة الخارجية، فهي دون شك أفضل من غطرسة سلفه. وأنا صراحة أشاركه تردده بشأن سوريا، فخلال مقال لي في بداية غزو العراق وجدت نفسي أحد الصقور المترددة. وقد اتضح أن ذلك خطأ كارثي في التقييم، أصابني بحالة شديدة من التردد.

هناك بطبيعة الحال دروس مهمة يمكن استخلاصها من تجربتنا الحزينة في العراق. كأن نعي المصالح القومية لأميركا. وأن نتشكك في المعلومات التي تقدمها أجهزتنا الاستخبارية، وأن نحاذر فيمن نثق. وأن نفكر في حدود القوة العسكرية، وألا ندخل في أزمة أخرى وخصوصا الشرق الأوسط، دون الخروج بلا مشكلات.
لكن في سوريا أخشى أن يكون الحذر قد تحول إلى انهزامية، وأن يكون حذرنا مصدرا للفرص الضائعة وتقوض المصداقية واتساع نطاق المأساة.

لقد وفرت الولايات المتحدة المساعدات الإنسانية والضغط الدبلوماسي، لكن ترددنا في تزويد الثوار بالأسلحة أو الدفاع عن المدنيين الذين يطاردهم القتل إلى منازلهم أقنع نظام الأسد (والعالم) أننا لسنا جادين. ومخاوفنا من أن يسقط السلاح في أيدي الجهاديين تحول إلى نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها، لأننا وبدلا من أن نتعامل مع الثوار بصورة مباشرة تركنا مسألة التسليح لأطراف أخرى قد تستخدم هذه المساعدات الفتاكة لاسترضاء الإسلاميين الأكثر تطرفا.

ربما كان التدخل سهلا قبل عام، قبل انقسام المعارضة، لكن الرئيس في ذلك الوقت كان مشغولا بقضايا خارجية، ولم يكن في حالة تسمح له بالنظر في شأن جديد آخر. علاوة على ذلك، كان الجميع مشغولا بدراما البرنامج النووي الإيراني والثورة المصرية وانتخابات أوهايو. منذ ذلك الحين والأسد يسعى إلى زيادة وتيرة وحشيته - المدفعية ثم القصف الجوي ثم صواريخ «سكود»، والآن، كما تبين، أسلحة كيماوية.

ما تسمعه من فريق أوباما هو أننا لا نعلم سوى القليل للغاية عن الديناميكيات الداخلية للحكومة السورية، لذا لا يمكننا توقع كيف سينتهي التدخل، عدا ذلك لن تكون نهاية سعيدة له، وأن مقتل 70,000 سوري مأساة، لكنه هذا ما يحدث في حرب أهلية، وأنه لا يمكن الوثوق بأحد في المعارضة، والأهم من ذلك هو أننا لا نملك مصلحة قومية هناك. لقد أقر أوباما أن استخدام الغاز السام سيزيد المخاطر، ولن نسمح للعالم أن يظن أننا تهاونا في رش الأفراد بالغاز السام. لكن حتى في ذلك يقول أوباما، إنه يشعر أنه مجبر على الرد على الاستخدام المنظم للأسلحة الكيماوية، حتى ولو كانت بقدر ضئيل - استخدام تدريجي؟ استخدام متفرق؟ فهل سيكون ذلك كافيا؟ هذا يشعرنا وكأن الرئيس يبحث عن عذر لعدم التدخل نهائيا.

وبتأمل الوضع في سوريا، قد يكون من المفيد أن نعلم أنها ليست كالعراق.

أولا، لدينا مصلحة أصيلة، لا مجرد مصلحة مصطنعة، فسوريا الفاشلة ستخلق ملاذا آخر للإرهابيين وخطرا لدول الجوار الذين هم حلفاء لأميركا وتهديدا بانتشار حرب طائفية بين السنة والشيعة في جميع أنحاء منطقة مضطربة وحيوية. وقال والي نصر، الذي أصبح منذ أن ترك فريق السياسة الخارجية لأوباما في عام 2011 أحد أبرز منتقديها «إننا لا يمكننا السماح بقيام صومال جديدة إلى جانب إسرائيل، لبنان، الأردن، العراق وتركيا، ولا يمكننا أن نجعل الإيرانيين والكوريين الشماليين والصينيين يستنتجون من موقفنا بأننا منغلقون على الذات»، كما جاء في عنوان كتاب نصر الجديد «الأمة غير الضرورية».
الأمر الثاني، أن غزو العراق تسبب في اندلاع حرب طائفية، أما في سوريا فالحرب تدور رحاها بالفعل.

ثالثا، الخيارات التي لدينا لا تشمل على إرسال قوات أميركية، وهي خطوة لا أحد يفضلها. لكن كل الخيارات لا تخلو من المخاطر. فتسليح بعض الثوار لا يعني بالضرورة كسب النفوذ. أما منطقة حظر الطيران التي كثر الترويج لها فسوف تضع الطيارين الأميركيين في نطاق الدفاعات الجوية السورية. ونقل صواريخ لتدمير سلاح الجو للأسد ومرابض صواريخ «سكود»، الذي من شأنه أن يوفر بعض الحماية للمدنيين وغرفة العمليات الثوار، يحمل خطر تخطي المهمة لنطاق أهدافها. ولكن، جوزيف هوليداي، وهو محلل الشؤون السورية في معهد دراسة الحرب، يشير إلى أن ما غاب عنا في هذه الحسابات هي التكلفة الكبيرة المحتملة للوقوف مكتوفي الأيدي، والذي يتضمن الخطر بأننا إذا بقينا ظللنا على الحياد، فسوف نغرق في وقت لاحق عندما، يقدم الأسد اليائس، على سبيل المثال، على قصف إحدى ضواحي دمشق بغاز السارين أو عندما ينهار الأردن تحت وطأة اللاجئين السوريين.

الرابع، هو أننا في العراق كان علينا ترغيب وخداع العالم لمناصرتنا. لكننا الآن لدينا حلفاء ينتظروننا كي نتقدم ونقود التدخل. يبدو أن إسرائيل قد تخلت عن الانتظار، من منطلق مصلحتها الخاصة

الشرق الاوسط
 

النصرة والقاعدة وتحدّي الموجة الرابعة

إرسال إلى صديق طباعة PDF
 
حازم صاغية
 حازم صاغية
ليس الزواج الأخير بين «القاعدة» و «جبهة النصرة»، على ما شابه من التباسات، بالأمر البسيط. وهو ما لا يفيد في الهرب منه الحديث عن دور النظام السوريّ في صناعة الإرهاب، أو عن تأثير التباطؤ الدوليّ في إنجاد الشعب السوريّ، أو عن الميل الغربيّ إلى تضخيم الارهاب. فكثير من هذه الحجج صحيح، إلاّ أنّ قليلها ما يساهم في الإجابة عن الأسئلة الفعليّة التي يطرحها ذاك الزواج.

والحال أنّنا إذا ما موضعنا الثورة السوريّة، وباقي ثورات «الربيع العربيّ»، في سياق كونيّ، افترضنا أنّها الموجة الرابعة التي عرفها عالمنا المعاصر في كسر الاستبداد وكسر العزلة التي ترافقه: فالموجة الأولى انطلقت مع انهيار التوتاليتاريّات الفاشيّة بعد الحرب العالميّة الأولى، ثمّ نشأت الموجة الثانية مع دمقرطة الجنوب الأوروبيّ (إسبانيا، البرتغال، اليونان) في أواسط السبعينات، لتولد الموجة الثالثة مع انهيار التوتاليتاريّات الشيوعيّة بعد الحرب الباردة، وما رافق ذلك من دمقرطة طاولت أجزاء واسعة من أميركا اللاتينيّة وأفريقيا.

هذه الموجة الرابعة، المخوّلة هدم نظريّة «الاستثناء العربيّ»، منوط بها، من غير تجميل أو تزويق أو تحايل، أن تكسر الاستبداد، ومعه ما يصاحب الاستبداد من عزلة عن عالمٍ تقع الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة في قلبه وصدارته. هذا ما قالته الموجات الثلاث السابقة، فهل تقوله الموجة الرابعة بحيث تستحقّ تسميتها هذه؟

نعرف تماماً أنّ واقعنا أشدّ تعقيداً، بحيث تتعايش الثورة على الاستبداد والعزلة مع نوازع أهليّة، دينيّة وطائفيّة وإثنيّة، محتقنة وطاغية. وفي هذا الإطار يمثّل الحيّز الذي يحتلّه أهل «القاعدة» و «النصرة» ومحبّو صدّام حسين في البيئة العريضة للثورة السوريّة، الطرف الذي يريد إبدال استبداد باستبداد وعزلة بعزلة. وفي السياق هذا، ربّما احتلّ الإخوان المسلمون، في ثورات «الربيع العربيّ» عموماً، المكان الوسط بين دعاة التخلّص من كلّ استبداد وعزلة وبين دعاة الاستبدال من راديكاليّين إسلاميّين وقوميّين. فالإخوان ينزاحون مرّة، وقليلاً، إلى هذا الجانب ومرّة، وقليلاً، إلى ذاك.

لكنْ فيما يتجرّأ الإبداليّون، يتذبذب دعاة كسر الاستبداد، كلّ استبداد، والعزلة، كلّ عزلة، فيقتصر الأمر على سطرين يكتبهما على تويتر الشيخ معاذ الخطيب! وهذا كلّه لا يخرج عن تقليد عربيّ عريق، كانت الطبقات الحاكمة والبورجوازيّات وفيّة له دائماً. وقد كان من علامات ذلك أنّ ما يقال في الغرف المغلقة لا يقال في العلن، بحيث تنتفي الصفة القياديّة عن القائد وصانع الرأي المفترضين. لكنّ أبرز تجلّياته الوقوف في السياسة «مع الغرب» والتغطية على ذلك بالوقوف في الثقافة والاجتماع مع ما يراه «الشعب» لازماً...

واليوم تكشف مصاعب تسليح الثوّار السوريّين كم أنّ البقاء في هذا التذبذب قاتل للثورة السوريّة ولسوريّة نفسها، خصوصاً أنّ الغرب الذي يُفترض به أن يسلّح لا يزال يخوض حرباً ضدّ طرف يعتبر نفسه جزءاً من الثورة السوريّة. وغنيّ عن القول إنّ من يدعمك هنا لا يمكن إلاّ أن تدعمه هناك. وهذا أيضاً يرقى إلى تقليد سياسيّ وثقافيّ عربيّ كانت ترجمته الأكثر شيوعاً تقول: فليدعمنا العالم في فلسطين، ونحن لسنا معنيّين بشؤون هذا العالم!

خيارات حادّة وصعبة؟ بالتأكيد. لكنْ هذه هي سوريّة.

الحياة
آخر تحديث ( الثلاثاء, 23 أبريل 2013 10:19 )
 

عفة النساء والإبداع الغائب

إرسال إلى صديق طباعة PDF
من المفروض أن يسرى قانون العفة على النساء والرجال وليس على النساء فقط، هذا هو المبدأ الأول لقانون الأخلاق فى أى نظام ديمقراطى صحيح يقوم على العدالة والكرامة والحرية، وليس على الصندوق وأصوات الجماهير المعبأة فى علب السردين. تسيطر القوة الحاكمة على القانون والأخلاق والدين والعلم والطب، وتلوى عنق الحقائق العلمية لصالح الحزب الحاكم.نوال السعداوي

بعد صعود القوى الإسلامية إلى كراسى الحكم ظهرت نتائج بحوث طبية فى مصر تقول إن العفة وراء انخفاض سرطان عنق الرحم. فى أوروبا القرون الوسطى تحت حكم الكنيسة أكدت البحوث الطبية أن مرض الجنون يصيب النساء بسبب احتواء جسدهن على الرحم، وسمى الجنون «هيستيريا» نسبة إلى «هيستر» وتعنى الرحم باللاتينية.

تم ترويج خزعبلات علمية لتأكيد دونية المرأة حسبما جاء بالكتاب المقدس، نقرأ فى «الأهرام» بتاريخ ٤ فبراير ٢٠١٣: السبب الجوهرى فى انخفاض نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم فى مصر هو العفة، وتمسك المرأة المصرية بالقيم الإسلامية، وهذا يفسر الحكمة الإلهية لتحريم زواج المرأة بأكثر من رجل.

هذه المعلومات الطبية ظهرت فجأة فى ظل الحكم الإسلامى لفرض الزواج الأحادى على النساء فقط، وإطلاق الرجال على حل شعورهم وشواربهم ولحاهم للممارسات الجنسية والخيانات الزوجية المتعددة تحت اسم الحكمة الإلهية.

ينتشر سرطان الخصية بين الرجال المصريين بسبب حرية العلاقات الجنسية وتعدد الزوجات، كل رجل يحمل فى خصيته جهازاً أشبه بالكمبيوتر، فإذا أقام الرجل علاقات جنسية مع أكثر من امرأة أصيب هذا الكمبيوتر بالخلل وأصبح فريسة سهلة للفيروسات، ومن ثم تمرض الخصية بالسرطان، لا يذيع رجال الحكم هذه المعلومة بطبيعة الحال.

ومن الخزعبلات الطبية أن عمليات الختان تحمى الرجال من السرطان ومن مرض الإيدز، وتحمى النساء من الخروج على قانون العفة.

أكثر من خمسة بلايين رجل وامرأة فى العالم غير مختونين، يحميهم قانون واحد للعفة، يعيشون فى مجتمعات أكثر صحة وخلقا من مجتمعاتنا.

فى مصر والسودان والصومال واليمن وغيرها من بلاد تُخضع الدين لمزاج حكامها، ويتعرض رجالها ونساؤها لعمليات الختان الجسدى والعقلى، ويقوم فيها القانون على الكيل بمكيالين فيما يخص العفة، يأتى ترتيبها فى ذيل الدول علميا وأخلاقيا.

النخب المصرية المعارضة للحكم الإسلامى فى أغلبها لا تنقد القانون الأخلاقى المزدوج، رغم نقدهم الدائم لقانون الانتخابات، مع أن القانون الأخلاقى يشمل جميع أفراد الأسرة والمجتمع الـ٨٥ مليوناً نساء ورجالا وأطفالا، أما قانون الانتخابات فيشمل بضع مئات من رجال سياسة يتنافسون على كرسى الحكم ومقاعد البرلمان والشورى.

الديمقراطية الصحيحة هى توفير الصحة والقانون العادل والتعليم الجيد والحياة الإنسانية الكريمة للملايين نساء ورجالاً وأطفالاً، الديمقراطية ليست حشد جماهير لا تعرف لماذا تقف فى طوابير الانتخابات ولا أسماء المرشحين، فما بال أن تعرف برامجهم كى تنتخب من يمثلها بوعى، وليس للحصول على السكر والزيت.

تتميز النخب المصرية بكفاءة عالية فى الترجمة والنقل وليس الابتكار. فشلت الديمقراطية الانتخابية عالميا لأنها شكلية تقوم على الكم والعدد، وليس جوهر العدل وتمثيل الأغلبية، إنها تخدم أهداف الأقلية فى النظم الرأسمالية الأبوية الاستعمارية.

جميع الانتخابات والاستفتاءات المصرية فشلت بسبب تقليد هذه الديمقراطية التى لا تؤدى إلا لإعادة إنتاج الحكم الاستبدادى الطبقى الأبوى المدنى أو الدينى.
 

الحوار المتمدن
 

هل الدكتاتورية افضل من الفوضى ؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF
 
منذ ولايته الاولى و بسبب صعوبة تطبيق المحاصصة الطائفية و اشتعال الصراع الطائفي . . استمر رئيس مجلس الوزراء بالتلميح، الى ان الحكم غير ممكن بعدة اطراف تختلف في توجهاتها، فيما استمر بلا ضجيج كبير في اجراءات جعل مؤسسات الحكم الاساسية بيد مكوّن واحد معتبراً ذاته ممثله الوحيد كـ (مختار العصر) . . معززاً ذلك باعتراضه علناً على قرار البرلمان بتحديد ولاية الرئاسات الثلاث و تهديده ايّاه بالمحكمة الاتحادية العليا، و كأنها ملك شخصي له و غير قابلة للحساب و التغيير ان لم تطع احكام الدستور و اسسه .مهند البراك
 
الامر الذي فيما يرى فيه مراقبون، بكونه قصوراً في فهم حكم (الشراكة الوطنية و المشاركة في الحكم) . . يرى فيه آخرون بكونه تعطشاً و رغبة في الاستئثار بالحكم ليس لمكوّن واحد فحسب و انما لشخصه هو، الامر الذي يتبيّن من مواقف الاطراف الهامة المشاركة في تحالف قوى المكوّن الذي اوصله للرئاسة، التي تعلن عن مخالفتها ايّاه في سلوكه هذا.

السلوك الذي تنعكس مخاطره ليس في مؤسسات الحكم و اجراءاتها فحسب، و انما على صعيد الحياة اليومية الصعبة بسبب التسعير الطائفي و ضعف و انعدام الخدمات . الذي وصل بالسيد المالكي الى التعبير عن أن الدكتاتورية هي افضل من الفوضى ـ في كلمته في احتفالية حزب الدعوة الحاكم بالمولد النبوي الشريف في الاسبوع المنصرم.

و يرى محللون ان تعبير السيد المالكي ذلك قد جاء لإرضاء الجماهير المحتشدة المطالبة ايّاه بالاصلاح السلمي للعملية السياسية و بتطبيق الدستور، بمحاولة التعبير عن كونه ليس هو المسؤول عمّا تعاني منه اوسع الفئات و خاصة الطبقات الكادحة العراقية بكل اطيافها الدينية و المذهبية، رغم كونه رئيس مجلس الوزراء و القائد العام الذي يجمع أهم السلطات في البلاد بيديه.

و يرى آخرون بأن تعبيره ذلك يجسد ما صرّح و عمل به منذ بدء ولايته الاولى حين دعى الى ان (الحكم بعدة احزاب متنافرة لايستقيم)، موظفاً لذلك تعنّت عدد كبير من قادة و ممثلي الكتلٍ المتنفذة من الطبقة السياسية الحاكمة، لتطمين مصالح ضيّقة لهم . في وقت يرى فيه فريق آخر بكونه تراجعاً او غضّ نظر عن تجريم نهج دكتاتورية صدام، و محاولته التماهي مع ماتنفخ به اجهزة حكومية صار يعشعش فيها العديد من ازلام العهد المباد، لتجميع قوى له . و التماهي مع مايتردد بمرارة في الشارع مما يجري من فوضى قياساً بزمان دكتاتورية ظالمة، أُسقطت باسقاط الدولة العراقية و اقيم بدلها حكم قائم على الإنتماءات الفرعية، رغم وجود دستور جامع للقوى العراقية باطيافها جرى التصويت عليه . في خضم جهوده لمحاولة كسب الشارع له !!

من جهة اخرى و فيما يرى عدد من المتخصصين النظريين ان الفوضى القائمة هي من صنيع الإحتكارات العالمية صاحبة فكرة (الفوضى الخلاقة) . التي ولدت في اجواء ملبّدة بمشاحنات افكار و بدائل متنوعة لدكتاتورية صدّام منذ مايقارب العقدين، من فكرة (الدكتاتور العادل) . الى فكرة الإبقاء على الدكتاتورية على اساس (دكتاتور معروف لدينا افضل من دكتاتور مجهول).
 
يرى العدد الاكبر من المجربين و الخبراء، ان الفوضى القائمة هي وريثة الدكتاتورية و فكرها و اعمالها الشائنة  . منذ ان كان القانون ليس اكثر من ورقة يوقعها صدام، رغم ان صدام لم يكن لوحده و انما كان عائداً لحزب ـ محظور دستورياً الآن ـ و عمل ضمن ضوابطه و اطره حتى وصل الى قيادته، و اسس و حكم بدكتاتورية رهيبة، لم تنفع لردعه عن ذلك حتى الضوابط الحزبية الداخلية لحزبه الذي اوصله للسلطة . و تكوّنت بذلك دولة اللاقانون و الفوضى التي خدمت طغمة حاكمة و مخططاتها المجنونة، وفق إجراءات و قرارات سريّة لم تنشر و لم يعرف بها الاّ المعنيين بها، تعاقب من يفشي اسرارها بأشد العقوبات وحشية بتهم الخيانة العظمى.

الأمر الذي فيما ادىّ الى نكوص الدولة الدكتاتورية في خدماتها للشعب بذريعة حروبها . . من خدمات كان يفاخر بها بين دول المنطقة، الى خدمات صارت تتردىّ و فوضى تتصاعد لم يسمح بالكشف و الحديث عنها بالعنف لأنه (يخدم اعداء الثورة)، فإنه ادىّ الى ان الدكتاتورية و فوضاها لم تنجب الاّ المآسي و الجروح الهائلة و انجبت بديلاً من سياسيين غلب عليهم طابع الوصولية و انتهاز الفرص كنتاج اجتماعي لها . الفرص التي صنعها غيرهم و استشهد من اجل تحقيقها الالوف من المناضلات و المناضلين و مئات الالاف من الشعب بكل الوان طيفه كما يتردد في الشارع و تعكسه وسائل الاعلام الداخلية و الدولية.

حتى صار الكثير من متنفذي اليوم هم الذين يصعّدون الخلافات الطائفية و الانتماءات المكوناتية و يسعّروها . لاجهاض اي حراك شعبي يسعى لتطبيق حقيقي للدستور، و لوصم كل اختلاف او معارضة بالارهاب، وصولاً الى محاولة اسقاط تلك الحراكات و ادانتها . لتزكية شخوصهم بذاتهم و مواقعهم، معمقين بذلك حالة الفوضى التي تستغلها القوى الارهابية الحقيقية و فلول الدكتاتورية، لتصعيد اعمالها الدموية .
 
ان التشدد في تعامل الكتل المتنفذة فيما بينها و في مقدمتهم السيد المالكي باعتباره الماسك الفعلي للسلطة الآن . هو الذي يؤديّ الى تصاعد تحذيرات قوى صديقة و قوى استثمار عالمية مما يجري، ولا ادلّ من ذلك ماصرّحت به ممثلة الاتحاد الاوروبي في العراق قائلة " . ليست في العراق مشاكل سنّة و شيعة بقدر ما هي مشاكل نابعة من غياب القانون " .

و فيما تحذّر اوساط متزايدة من مخاطر مايجري الذي قد يجرّ الى تشظيّ البلاد و انفراط عقدها انفراطاً دموياً لايعرف مداه و لا تحديد مدّته الزمنية او الى مخاطر قيام دكتاتورية جديدة. . فإنها تدعو الى اعتماد الحوار بالاستناد الى الدستور، و الى اجراءات عاجلة لعقد مؤتمر عام للقوى المشاركة و الفاعلة في العملية السياسية داخل و خارج مؤسسات الحكم التشريعية و التنفيذية و القضائية، اضافة الى ممثلي الشباب و المرأة و ممثلي منظمات المجتمع المدني و ممثلين عن الاحتجاجات السلمية المطالبة بالشرعية الدستورية و المتحركة وفق ضوابطها . . للوصول الى سبل اصلاح العملية السياسية استناداً الى الدستور.
 
 
الحوار المتمدن
 

من جوبا إلى أربيل ...

إرسال إلى صديق طباعة PDF

غسان شربل

لا تُغتال البلدان من خارجها. الطعنات القاتلة تأتي من الداخل. من التسلط وغياب مفهوم المواطنة. من رفض التسليم بحق الاختلاف. من محاولة شطب ملامح وفرض ملامح. من التمييز وفقدان المؤسسات الجامعة. من اعتبار التعددية خطراً ومحاولة معالجته بفرض لون واحد او فكرة واحدة. من عدم احترام تراث وانتماءات وتطلعات. من العجز عن الإصغاء الى الآخر. ومن رفض البحث عن منتصف الطريق للقاء في رحاب دولة تتسع لكل مواطنيها. ومن محاولة ضمان الوحدة بالقسر والترويع لإرغام المختلفين على التنازل عن هوياتهم وكتبهم وأسلوب حياتهم.ghassan.shrbil

لا تتصدع بلداننا فجأة. لهذه النتائج مقدمات لم تكن سراً. الإصرار على عدم الالتفات اليها يعمّق التباعد بين المكونات ويجعل الصدام بين الهويات حتمياً. وكثيراً ما تم التعامل مع مطالبة مجموعة من المواطنين بالحكم الذاتي او حق تقرير المصير بوصفها خيانة ومجرد صدى لمؤامرة لفقتها دوائر اجنبية. وكانت السلطة تلجأ الى الحرب. وحين تعجز عن الحسم تبرم اتفاقات تعتبرها مجرد هدنات وتغتنم اي سانحة للتراجع عنها. ويمكن القول ان الخارج لم يكن بريئاً في معظم الحالات، لكن اصل المطالبة او المشكلة موجود في الداخل. وأحياناً كانت السلطة تفضل التنازل للخارج على إبرام تسوية حقيقية في الداخل.

ما كنا لنصل الى ما شهدناه امس في جنوب السودان لو ان الرئيس الراحل جعفر نميري احترم اتفاقية اديس أبابا للحكم الذاتي التي ابرمها في 1972 مع التمرد الجنوبي والتي وضعت حداً لـ 17 عاماً من القتال. يمكن القول ان نميري سلك لاحقاً الطريق الذي يعزز التباعد بين شمال السودان وجنوبه.

لا يحمل الوضع الحالي بصمات نميري وحده، فله في ذلك شركاء كثر. في 1979 زرت السودان للمرة الاولى والتقيت الدكتور حسن الترابي الذي كان يحمل صفة «النائب العام»، اي وزير العدل. في نهاية الحديث مازحت المتحدث قائلاً: ماذا تفعل بمشاركتك في نظام نميري؟ وجاءني الجواب مشفوعاً بابتسامة: «إننا نؤسلم النظام خطوة خطوة». لم اتوقع يومها ان ينجح برنامج الترابي وأدرجت كلامه في باب تبرير وجوده في السلطة.

بعد اربع سنوات ذهبت لتغطية مؤتمر عام للاتحاد الاشتراكي السوداني (الحزب الحاكم آنذاك). تحدث نميري في المؤتمر مشدداً على عروبة السودان ومؤكداً عزمه على أسلمة التشريعات في بلاده. وفجأة وقفت احدى مندوبات الجنوب الى المؤتمر لتقول بالانكليزية للرئيس: «إنك تشدد على العروبة والإسلام، فماذا يكون موقع سودانية مثلي ليست عربية ولا مسلمة». وفي ايلول (سبتمبر) 1983 أعلن نميري تطبيق الشريعة الاسلامية وأخلّ باتفاقية اديس أبابا لجهة التقسيمات في اقليم الجنوب فتجددت الحرب هناك.

ظل جرح الجنوب مفتوحاً على رغم جولات المحادثات والهدنات. ومع ما سمي «ثورة الانقاذ» التي ولدت من انقلاب 30 حزيران (يونيو) 1989 ازداد التباعد بين الشمال والجنوب وكان ذلك نتيجة طبيعية للمشروع الذي حمله الرئيس عمر حسن البشير ورفاقه بوحي من الترابي. وبدا أحياناً ان فريقاً في الخرطوم ينظر الى الجنوب بوصفه عبئاً او عائقاً امام استتباب النظام الاسلامي في الشمال. وتأكدت هذه النظرة عبر التصريحات الاخيرة للبشير الذي وعد بتعميق التجربة الاسلامية بعد حل مشكلة التعددية باحترام رغبة الجنوبيين في الانفصال.

على رغم الفوارق الكثيرة يذكّر الوضع السوداني بالوضع العراقي. في 11 آذار (مارس) أعلن اتفاق الحكم الذاتي في كردستان العراق. حمل الاتفاق بصمات «السيد النائب» صدام حسين. بعد سنة ارسل صدام وفداً مفخخاً كانت مهمته اغتيال الملا مصطفى البارزاني الذي نجا بأعجوبة. بعد ثلاث سنوات حاول التلاعب بالاتفاق فاستؤنف القتال مع الكرد. وفي 1975 فضل في «اتفاق الجزائر» تقديم التنازلات الى ايران على تقديمها الى جزء من شعبه. والبقية معروفة.

من جوبا الى أربيل يمكن الحديث عن تجربتين تعنيان العالم العربي. من دون استخلاص العبر قد نستيقظ في وقت غير بعيد على سلسلة من الحروب الاهلية وطموحات الانفصال والتحصن في أقاليم. الضربات التي توجهها «القاعدة» في الدول التي تتعدد انتماءات اهلها تصب في هذا الاتجاه. يستحق التطور في جنوب السودان وقفة عربية جدية.

 

 

المصدر: جريدة الحياة

آخر تحديث ( الاثنين, 17 يناير 2011 20:44 )
 

جنوب السودان وحق تقرير المصير

إرسال إلى صديق طباعة PDF

 

عبد الباقي يوسف

    بعد أيام معدودات سيشهد جنوب السودان إحدى أهم العمليات الديمقراطية في البلاد: الإستفتاء حول حق تقرير المصير، وفيه سيقرر إذا ما كان شعب الجنوب سيختار البقاء داخل السودان,والتمتع بحكومة كونفدرالية، أم أنه سيختار حق الانفصال، وبالتالي تشكيل دولة مستقلة،  ذات سيادة، وفق شرعة الامم المتحدة "حق  الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها " وبالتالي  سيصبح من حق جنوب السودان ان يكون – كدولة مستقلة ذات سيادة - عضوا في الأمم المتحدة .abdulbaqi.yussif

    وحسب راي العديد من المحللين السياسيين،  سيصوت غالبية الشعب في جنوب السودان لصالح الانفصال ، وتشكيل دولة مستقلة، خاصة وأن العديد من الشخصيات القيادية في الحركة الشعبية لجنوب سودان ابدت رغبتها في الانفصال بشكل علني، خاصة بعد أن هدد  الرئيس  السوداني عمر البشير شعب جنوب سودان، بانه سيطبق الشريعة الاسلامية في الشمال، إذا ما صوَّت لصالح الانفصال .

       يبدو انه لم تبقى للرئيس السوداني اية وسيلة اخرى للحفاظ على وحدة البلاد سوى التلويح  بإستخدام سيف الشريعة الاسلامية لبث الرعب بين المكونات السودانية الغير مسلمة، والعلمانين.. إلا أنَّ التلويح باستخدام القوة سوف لن يسعف الرئيس السوداني هذه المرة ، خاصة وأن هناك اتفاقيات دولية قد وقَّع عليها بمحض ارادته. فمجلس الامن الدولي و الولايات المتحدة الامريكية ، والإتحاد الافريقي- كطرف ثالث - معنيون بتنفيذ الاتفاقات التي وقعت في نيفاشا،  وأية محاولة من قِبَل عمر البشير باستخدام القوة ضد شعب الجنوب  سيكون لها عواقب وخيمة، قد تؤدي الى انهاء نظامه، حيث تلقى رسائل قوية من مجلس الامن الدولي، عندما زار وفد من المجلس السودان في شهر تشرين الاول من العام  الماضي ، وبدوره فإن السيناتور الامريكي جون كيري ،رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الامريكي، خلال زيارته للسودان في شهر تشرين الثاني من نفس العام . كان قد حذر الرئيس السوداني من القيام بأي عمل متهور،وترافق هذا التحذير بتقديم  حوافز للنظام السوداني، في حال التزام هذا النظام بتنفيذ الاتفاقيات التي وقَّع عليها في نيفاشا.

     إن  معظم الاعلام العربي ، والحركات القوموية العربية الشوفينية منها ، وكذلك التيارات الإسلامية المتطرفة، يحاولون أن يُظهروا للرأي العام العربي بأن حق شـعب الجنوب في الانفصال إنما هو نجاح  " للمؤامرة الدولية " المتمثلـة - برأيهم - بالحركة الشعبية، الهادفة إلى تفتيت السودان،  متجاهلين مسؤولية الانظمة نفسها، التي  حكمت، وتحكم ، السودان منذ الاستقلال , فهذه الانظمة   لم تعتبر قطاعات واسعة من شعب السودان على أنها جزء من مسؤولياتها الوطنية والاخلاقية، بل عمدت منذ البداية الى اتباع سياسات التمييز ضد كل عنصر غير عربي، و أنكرت هويته القومية،  إضافة الى الحظر الذي طبقته على لغاتها وثقافاتها، ناهيك عن استغلال خيرات مناطقهم، حتى من دون تقديم  الخدمات الأساسية لهم ، و هذا مايشاهده المتتبع للحالة السودانية،  ويظهر جليا من خلال االقنوات التلفزيونية، التي يُظهرون  بها جنوب السودان بانه غير مهيأ لبناء الدولة، إذا ما اختار   حق الانفصال ، و دون  أن تتطرق تلك القنوات إلى من يتحمل مسؤولية ذلك، بالرغم من مرور اكثر من ستة عقود على استقلال السودان .وما جرى ويجري    في دارفور ، ما هو إلا وجه آخر من وجوه سياسة التمييز العنصري والاضطهاد القومي..

     المسؤلية المترتبة على المثقفين، ومنظمات المجتمع المدني، و القوى الديمقرطية ،ولجان حقوق الانسان في العالم العربي  هي ان تتوجه الى الجامعة العربية  وتطالبها بتحمل مسؤوليتها حيال ممارسات الانظمة العربية المطبقة ضد  شعوبها ، و وضد الأقليات القومية ، والدينية ، و المذهبية ، وتكف عن مساندة العديد من الانظمة التي تمارس التميز حيال المكونات الغير عربية لشعوبها.

     لقد كانت خطوة جيدة من قبل الرئيس المصري محمد حسني مبارك ، والليبي معمر القذافي  عندما توجها الى السودان، و طالبا الرئيس السوداني بضرورة قبوله، والتزامه بنتائج الاستفتاء، فهما يدركان جيدا مخاطر إذا ما رفض البشير نتائج الاستفتاء، فالمنطقة لم تعد تتحمل مزيدا من الحروب .

    كما أحسن عمر البشير عندما توخى الحكمة، وذهب الى جوبا عاصمة الجنوب اليوم ، وأعلن بأنه سيقبل بالإنفصال إذا اختار شعب الجنوب الانفصال.

    لكن هل سيستمر بتوخي نفس الحكمة في تعامله مع الملفات التي ستترافق مع عملية الإنفصال، خاصة   ما يتعلق منها بمنطقة  أبيه ؟!.  

    هذا ما ستظهره الأيام.

 

آخر تحديث ( الأحد, 09 يناير 2011 10:52 )
 

لماذا نتفرق ؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF

د. محمد جميح

سؤال بسيط. يخيل إلى كل واحد منا أن إجابته ميسورة. وهذا صحيح. غير أن الخوض في تفاصيل إجابته يعد أمرا في غاية التعقيد؛ لاقتضاء الإجابة تحليل البنية الثقافية والنفسية والاجتماعية، بالإضافة إلى فهم طبيعة التركيبة السياسية في هذا الجزء الحيوي من العالم.

فعلى الرغم من كل الموروث الديني والقيمي والفكري، وعلى الرغم من كل أقوال الشعراء والأدباء والزعماء الدينيين، التي تدعو إلى الوحدة وتمجدها، وعلى الرغم من كل العوامل التقليدية للتوحد؛ من تواصل جغرافي وتاريخي وثقافي، فإن تحلل الجسد العربي إلى عناصر تبدو غير منسجمة، هو العملية السائدة منذ سنوات طويلة. mohammed-cmeh

المجتمعات العربية ينحل نسيجها - رأسيا وأفقيا - بسرعة مريعة. المجتمع العربي تقزم ليصبح مجتمعا قبليا عشائريا في الأعم الأغلب. وداخل هذا المجتمع العشائري الذي لا يخفي أحقاد داحس والغبراء، توجد تقاطعات مذهبية وطائفية تستدعي صراعات صفين وكربلاء، صراعات تدعو لثارات قديمة كان المتصارعون فيها يرون أن لكل منهم الحق في مشيخة القبيلة الممتدة من تخوم البسوس إلى حدود كربلاء. واستمر الصراع يخبو ويزيد، وكل صاحب مأرب سياسي يوظفه، تارة برفع دم الحسين، وأخرى برفع قميص عثمان، لغايات ليس منها الثأر للحسين أو عثمان ولكن للوصول إلى مكاسب سياسية يغطيها القميص الممزق والدم المراق.

في هذه الحقبة المعاصرة من الزمن العربي سيسجل تاريخ المنطقة أن أهلها يتجهون بسرعة نحو الانتحار الجماعي، بفعل عوامل الصراع المحتدم بين المكونات الطبيعية لهذه المجتمعات. الدول التي ليس فيها صراع طائفي تخترع لنفسها صراعا قوميا، والتي ليس فيها صراع طائفي أو قومي لا تعدم وسيلة من الجغرافيا لإيجاد صراع بين شمال وجنوب أو شرق وغرب.

بالطبع لا توجد أمة على وجه الأرض تنتمي إلى عنصر واحد صافٍ من العناصر الأخرى أو الطوائف المختلفة أو اللغات المتنوعة، ولكن فرق بين أن يوظف هذا الخلاف ليكون وسيلة للثراء المعرفي والحضاري كما هو حادث اليوم في نصف الكرة الأرضية الشمالي وأن يوظف للهدم والنخر في النسيج الاجتماعي الذي لا بد أن يتداعى إذا استمرت هذه السوسة الخبيثة في النخر واستمرت قبائل سبأ في تجاهل قدرة الفأر على تقويض بنيان سد مأرب العظيم.

وبما أن النسيج الاجتماعي لكل أمة أو كل دولة مكون من ألوان وخيوط مختلفة حتما، فأول ما ينبغي فعله هو الاعتراف بالواقع.. الاعتراف بواقع أن في السبيكة أكثر من معدن، وأن الجوقة قائمة على أكثر من صوت، ثم الانطلاق من منطلق أن الاختلاف غير ضار.

لا بد - إذن - من تغيير نظرتنا للاختلاف لنمنحه شيئا من الإيجابية، بعدها يمكن توظيف الاختلاف للبناء لا للهدم. ذلك سيعني عدم بناء مفهوم الأقلية والأكثرية على أساس قومي أو طائفي أو جغرافي. ينبغي أن يكون مفهوم الأقلية والأكثرية من المفاهيم السياسية التي لا علاقة لها بالاختلاف المذهبي أو الديني أو القومي المذكور. وباعتماد المفهوم السياسي للأكثرية والأقلية سنجد أن جميع المذاهب والقوميات والأديان ممثلة وموجودة في الأكثرية والأقلية على حد سواء.

وعلى سبيل المثال، يعد سكان مقاطعة ويلز أقلية قومية أمام الأكثرية الإنجليزية، لكن البيئة الحزبية في بريطانيا تقوم - في معظمها - على أسس سياسية خالصة، فهناك ثلاثة أحزاب رئيسية هي: المحافظون والعمال والديمقراطيون الأحرار، وفي كل حزب من الأحزاب الثلاثة توجد كل مكونات المجتمع البريطاني.

دعونا نعترف أن السياسة عندما تقترب من الفروقات المذهبية أو الدينية أو القومية فإنها تؤججها. نعم إذا لامست السياسة الدين جعلته مذاهب وطوائف، وإذا لامست المجتمع جعلته أعراقا وقبائل، وإذا احتكت بالجغرافيا شطرتها إلى الجهات الأربع إن أمكن، وهذه مشكلة السياسة دائما بما أنها «فن توظيف الممكنات»، ومع ذلك فلا بد من ملامسة السياسة للدين، ولا بد من توظيفها للمكونات الاجتماعية والجغرافية المختلفة، ولا يمكن تعطيل «الفعل السياسي» عن العمل على هذا المنوال - خاصة في البيئة العربية - لأن «اللعب على المتناقضات» هو من صميم العمل السياسي العربي. كل ما يمكن فعله في هذا الشأن هو ترشيد «المقاربة السياسية» للفروق الاجتماعية وتوظيفها توظيفا يحد من الآثار السلبية لها. ولا شك أن الوصول إلى الحالة المثالية تلك هو مشوار طويل، وإذا كان طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، فإن الخطوة الأولى تتمثل في «وقف النزيف الاجتماعي» بتضميد الجراح وتهيئتها لتقبل العلاج المناسب. يكون ذلك بالتعامل مع الأقليات القومية والطائفية بسياسات تسحب البساط من تحت العوامل الخارجية التي لا شك أنها لا ترى في المنطقة إلا مجموعة من الاختلافات التي يمكن توظيفها لصالح إبقاء المنطقة رهن ظروفها المعقدة. والمفتاح السحري للخطوة الأولى هو العمل على الانفراج السياسي. إذن لا بد من العمل على تهيئة أجواء سياسية تؤدي إلى «المشاركة السياسية» الحقيقية في السلطة التي ستكون خطوة مهمة في سبيل «التبادل الديمقراطي للسلطة» والذي يبدو أننا ما زلنا بعيدين عنه في الوقت الراهن على الأقل. غير أنه إذا استحالت عملية «تبادل السلطة» سلميا في الوقت الراهن، فإن «المشاركة في السلطة» مهمة غير معقدة ويمكن أن تؤدي ثمارا ملموسة تهيئ للمزيد من التقدم في دروب الآلام والآمال.

المهمة صعبة، غير أن صعوبتها لا ينبغي أن تكون عامل تثبيط، بل على العكس صعوبتها هي الحافز الأكبر للقيام بها، لأن الأعمال الصعبة تزداد صعوبة بإهمالها، وهذا ما يحتم سرعة القيام بها تجنبا للتراكمات الفادحة.

الحقيقة أن بقاء الأمور على ما هي عليه في منطقتنا ينذر بمزيد من الانهيارات الاجتماعية والقيمية ويهيئ لخضات عنيفة قادمة، في ظل الشعور بالإحباط واليأس من التغيير، والغضب المتبادل بين الحاكم والمحكوم. بقاء الأمور سيزيد من أثر التفاعلات الاجتماعية السلبية التي تخلق فجوات واسعة يتسرب من خلالها العامل الخارجي ليفعل فعله المدمر في بنية مجتمعاتنا ودولنا.

ولعل التذكير بأطوار الأمم عند ابن خلدون مفيد في هذا الشأن؛ فقد قسم ابن خلدون حياة الأمم إلى: طور القيام والنشأة، وطور الاستبداد والاستئثار بالسلطة، وطور الفراغ والدعة، وطور تقليد السابقين، وطور الإسراف والمحاكاة المصطنعة. وأعتقد أن لدينا من كل طور شيئا يمكن النظر فيه، فهذه الأطوار ليست مراحل تاريخية واضحة الحدود والمعالم بقدر ما هي متداخلة آخذ بعضها برقاب بعض. غير أن أهم ما يمكن أن نختم به هذه العجالة عبارة لتوينبي تشير إلى أسبقية العوامل الداخلية على العوامل الخارجية في تحلل الأمم وانهيارها. يقول توينبي: «إن الحضارات لا تموت قتلا ولكن تموت انتحارا»، فلا يمكن للحضارة أن تنهار من خارجها، ولكن التآكل يبدأ من الداخل الذي يجعل «الكائن الحضاري» يموت منتحرا بيديه، وهذا ما نلحظه كل يوم في أمة تتقدم مسرعة نحو الانتحار ما لم تقف برهة للتفكر والمساءلة.
 
 
المصدر : الشرق الاوسط
آخر تحديث ( الأحد, 09 يناير 2011 10:37 )
 

نكبات العقل

إرسال إلى صديق طباعة PDF
سليم بركات

 

الحضور الحيوي للأكراد بعد انهيار نظام صدام حسين، بات يؤرق غالبية الكلام السياسي العربي السائد. هذا المقال "الأدبي - السياسي" يتلمس حساسية المسألة الكردية عربياً، ويقرأها في ضوء حقوق الأفراد والجماعات بلا استثناء.


السجالُ رخيصٌ. تولى الرعاعُ إدارةَ العجز في الانحلال الأخير للبيان العربي. ركاكة في أداء اللغة كركاكة الجيوش ذاتها في سياق البناء الحديث للأمم الركيكة، وحواضرها، وشعاب أمورها القائمة على فكرة المزرعة: تُؤَجَّر وتُورَّث.


مقايضات في الأخلاق لا مثيل لها إلاَّ في الشكل السلعي عند الريفيين، قبل تحديث عوالم المبادلات الصغيرة، بكرامة العملة، والشوق الصوفي في الورق والمعدن: العلماني يتحوَّط لخطابه بمبايعة الدينيِّ، والدينيُّ يتحوَّط لفكرة الثواب اللازمــني بمبايعة الحاكم المؤسِّس لـ"عدالة" النهب. ثم تأتي المجاهرة بالفُتْيا، في استباحـة المَرْجِـع، فراغـاً كنـداء الهاوية.


لا نعرف من أين نبدأ، في هذا الحصار المُحْكَم للإنحلال، بإحالة اللغة المعذَّبة إلى أنساقٍ موضوعاتٍ. الأكراد، الذين أحضرتُهم إلى المرافعة الخجولة، متهيبون من محنة النظر إلى أنفسهم في الخيال الشقي، المُعتل، لشركائهم في المكان المحيط. في إحدى الفضائيات العربية، المحمولة على نداء الدهماء، هبَّت صرخةٌ مدوية: "هؤلاء الأكراد الكفرة.. الكفرة". لم يقطع القائمون على رفاهية الإنشاء العنصري صوتَ الوافد في الهاتف كما فعلوا مع كردي قال: "إذا كانت لنا دولة..."، فأخرسوه. فُتيا التكفير تحوَّلت من متاع العالِم الفقيه، المَرْجِع، المتحصِّن بمشايعة الكوافِّ لجواز الإصدار، إلى متاع الرعاع في خطوط الهاتف. صدام حسين، نفسه، اقتدى بالرعاع في إهانة المَرْجع فأصدر فُتياه بالجهاد، من دار أدارها على غير وجه يثبت إقْرانَها بدارٍ للإسلام، ولم يتكلَّف له علمُه في فِقه البطش نَسَباً أبعد يقرِّبه من فقه الفقيه المعقودة له بيعةُ التكليف في التخصيص، والحصر، وإقامة السَّند من إرث الدِّيْـن.


كيف اجتذب حكَّام، ذوو أيد في إهانة الإسلام، أحزاباً حواملَ متاعِ الدِّين ـ فكرِهِ، وخُلْقِهِ، وأدبه، إلى بيْعة لا تخفى، في دارٍ يتوجب، شرعاً، حصرُها في مراتب دور الحرب، إن لم يكن زعمُ الإسترشاد بالدين مثلوماً، أو مؤيَّداً بنفاقٍ ما؟


"البعث"، الحزب المتقاسم هواءَ الشعوب على جهتي دجلة والفرات، ذو ثبات في إقصاء ما لا يدخل في ملكية عائلته وقرارها. تساوى في ذلك اليساريُّ، والعلماني، والديني، برمتهم. خيارُ انتسابه إلى الحياة خيارُ امتلاكٍ للآخر داخل مزرعته، التي خرج حدُّ توارثها بين الجماعة المتآخية على شعارٍ إلى استفراد القويِّ الأوحد بعقد الدولة لنفسه ولأبنائه، لا غير. ضررُ جماعات الدين ـ الأحزابِ، والحركاتِ رسى على حطامٍ خرجت به، من قتلٍ وإختباءٍ ونزوح إلى الغرب ذاته: غربِ الشيطان. فما الذي نراه، اليوم، من بيعة بعض جماعات الدين لمن لا تصلح له البيعة؟ صور صدام حسين امتزجت بأعلام حركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في تظاهراتهما، وانبثقت مكاتب الرعاية، في حدود إعلامها، داخل سورية. ثم ارتفعت عقائر بعض أشدائها في نحوٍ لغوي متقوِّض القواعد عن خيانة الكرد لأبناء العِرق العربي، بوقوف الكرد إلى جانب الشيطان الغربي، في غزوه العراق.
لا بأس. لم نسمع من جماعات الديـن هذه، وأقربائها، أسفاً خجولاً على مقتل الكرد بالكيمياء في حلبجة، مثلاً، والكرد مسلمون بعامة. قُتِل عراقيون - شيعة وغيرهم أيضاً. فإذا نحا الكردي إلى ملاذٍ، يقيه قتلاً تواطؤوا في الصمت عليه، خرج الرعاعُ، وجماعات العنصر النقيِّ، إلى تكفيره. عربٌ تآخوا، بقضِّ دولهم وقضيضها، تحت راية التحالف الغربي، في حرب الخليج الثانية، لإخراج نظام العراق من الكويت، ولم تنهض الألسنة إلى تكفير أحد. صدام احتل دولة عربية لها مواثيق وجودها ككيان في المنظومات، وسكت المنتصرون الآن، لصدام. عشر سنين قضاها حاكم بغداد، اللامسترشد بأحكام الشرع قط، في هدر دم العراق ضد إيران، المسلمة طبعاً، بأسلحة كيماوية، وفتاكة أخرى، من خزائن الغرب الشيطاني، فلم يلتفت أحد لتكفير الحاكم، الــذي أقــام الشــقاق دِيْناً بماله في شوارع الفلسطينيين، بمسدساته المكتومة الصوت، وبمنحولين إلى نضــال الشعب المغلوب على أمره، مثل أبي نضال، الذي أعدموه ليتّقوا وقوع خزانة أسراره الدموية في أيدي العارفين بوجودها.


الإعلام العربي، في بعضه المرئي والمكتوب، أراد من الكرد المنكوبين دوراً في "مقارعة" الغزاة، لا الترحيب بهم. حقٌ ذلك. يتوجب على أهل الملَّة، بأضعف الإيمان، النظر شزراً إلى الغريب الغازي، وهو - في حال العراق - أمر يتوجب أخذه على وجوه الاختلاف في النظر. فما الذي يستنهض في الكردي المنكوب غير المفاضلة بين (على العراقيين، لا غيرهم، توصيف حمائله) غزوِ غريبٍ و"غزو" من حاكم ابتكر، بعقل العالِم، نكباتٍ كرفاهية الفردوس؟ "الأنفال" لفظ من علوم الدين الغالب، يسترشد به خيالُ المحارب في اقتسام إرث المهزوم مالاً، وعيالاً. وهو لفظ الفداحة ذاته، الذي أنْفَذَهُ صدام في إقليم الكرد: جعلهم، على مجرى منازلات ما قبل العشرة القرون، نَهْبَاً، مُباحيْن. فكيف أجاز صمتُ جماعات الدين استعارةَ الحاكم اللامتقيد بشرعٍ لفظاً لا يتوجب إنفاذُهُ في الكردي المسلم؟ بل ها بعضهم هرع إليه، عبر الحدود المفتوحة للشريك البعثي، بمفخَّخين بأحزمة النَّسف كي يُنجدوا نظاماً ضربَ مآذن مساجد النجف بقذائف الدبابات.


تعالوا نفسِّر قليلاً، بخيال الوقائع ومصادرها الزمنية، هذه الحبكة الساخرة في تآلُف المتنافِرات: الحاكم السوري، المحصول له، في التوثيق، مَلَكَةُ ابتكار الشقاق في همَّة الفلسطيني، باجتذاب حركاته ومتاع بيته، يقف، راهناً (قبل الراهن بقليل - أي حدوث الزَّمَعَةِ عن يد كولن باول)، في ترتيب الحرية للفلسطيني بالغيرة على قراره (!!). لا نعرف إذا نسيت حماس، والجهاد، حصار المخيمات في بيروت، ودكِّها في طرابلس بصواريخ الأشقاء. أو توصيف حارس أرواح المذبوحين في صبرا وشاتيلا، السيد المغدور إيلي جبيقة، وزيراً ذا حظوة لم توهب للفلسطيني. لا نعرف إن كانت أخلاق حماس والجهاد تستطيع استحضار نكبات جماعات إسلامية أخرى بخيال الحقائق، من هاوية التاريخ المقفلة بنسيان محسوب، في سورية، وفي لبنان (حركة التوحيد، مثلاً). "حزب الله" سياق آخر لن يتقن نحويو جماعات الدين تلك إعرابَ مخارج حروفه، ومجزومه ومرفوعه، إلا إذا تهيَّأ للرعاع أن إيــران ستــقدم بطلب انتساب إلى "الطلائع" و"الشبيبة".


أخرجتْ سورية كل حزب لبناني آخر من منظومة الشهادة بالحق الناقص على تحرير جنوب لبنان. وقد وجد العرَّافون في تخمين سياسات الواقع، من جماعات الدين تلك، أمرَ استفراد "حزب الله" بالأنفال إعتاقاً يتوجب إجراؤه على أرض الله المستعبدة، فنصَّبوا الأمرَ مثالاً لتحرير فلسطين بأناس مفخخين، أصدروا جملةً منهم إلى حَرَم العراق، وليس إلى الجولان.
الجولان لعب بالنار في حقائق الممكن وأباطيل الممكن. الإحتلال الوقائي لجنوب لبنان، بعد استنفاد مادَّته بطبيعة التآكل المحسوبة بالربح والخسارة، ليس - قط - على نسق احتلال فلسطين والجولان. ستأتي مثاقيلُ وأوزانٌ من كل عيار إلى مفاوضات التقاسم الأخير لإرثٍ دوَّخ التاريخ ودوَّخه التاريخ. حتى شبعا اللبنانية ذاتها ستنحسر إلى سياق المجزوءات المرتبطة بهدوء السياسة، لأن عمدة "حزب الله" صرَّح بنفسه عن تقيُّد الأمور بموجبات جديدة بعد زيارة باول لدمشق. نعم. رامسفيلد الركيك استعار من الخراب، الذي استحدث به البعثُ روحَ الرعايا المنهوبين، فصاحةَ لغة الوعيد التي لا يتقن أسيادُ الموت فهمَ غيرها: "فليعرفوا أن لديهم جاراً جديداً".
والآن، في التسارع العاصف بأبواب دكاكين الجماعتين الإسلاميتين إقفالاً، فلنسترجع ما يضيء فهمنا بإشاراته، أو يعميها في هذا النفق المرصود بأنظمة لم ينتخبها شعب قط، ولنتمثل بركاكة الوقائع التي ألقت بزعيم "حزب العمال الكردي" في المجهول التركي.


في الآن الذي تمرُّ ممحاة العصبية العرقية فيه على أسماء القرى الكردية وبلداتها في سورية، فينكِّل الحرفُ العربيُّ المكتوب بالحرف الكردي المنطوق من لسان القرون الجليلة؛ في الآن هذا الذي لم يرجع فيه آلاف آلاف الأكراد إلى سجلات الجنسية التي أسقطتهم عصبيةُ الأخ العربي منها في 1962، حظي حزب كردي، من كردستان تركيا، فجاءة، بحظوة أين من كمِّها حيفُ أخيه في سورية. الابتزاز (لاختصار مسارب هذه المقالة) الذي قايضت به سياسةُ شقيق البعث العراقي أوجلانَ بالماء اتخذته تركيا مدخلاً إلى تسارع نهجها في ترويع القرى الكردية، وتمزيقها، والتنكيل بالهواء فيها. وحين استنفدت مقاصدَها، المستندة إلى توصيف الحزب الكردي بالإرهاب في شرع الغرب، الذي ساء بعض دوله أن يُساء تعاطفُهُ مع ذلك الحزب فيتمادى خارج مراقي نشاطه، بتغاضٍ سوريٍّ عن إسداء أية نصيحة لتفريق "الشغب" في شوارع ألمانيا عن "المناضَلَة" عن الحقِّ في شعاب طوروس؛ حين استنفدت تركيا ذلك، حشدت رجال الدرك على حدودها مع سورية فباع الخائفون "حزب العمال الكردستاني" بدراهم من هواء.
لم يصدق كردي واحد أن من يغير أسماءَ الطين النبيل في عمارة تاريخه سيعيد إلى الكردي رفاهية لقائه بالطين النبيل في عمارة تاريخه خارج سورية. أسماء أمكنة تتقوَّض بالممحاة العربية، فيما يبقى اسم تدمر، وجرابلس، وبانياس، على حاله. "توبز" الكردية، و"موزان"، و"تربسبيي"، و"هرم رش"...الخ، تتنحى لعدنانية، وقحطانية، وعمرانية، وحفصية، الخ. إنه، في السخرية الضارية، كمن يعيد إلى توت عنخ آمون نسباً عربياً بمفعول رجعي فيسميه توت زيد بن عنخ أمين.


فلنعد إلى ما نكاد نستنفده: صُرِف أوجلان تصريفاً في الإعراب العربي على رغم أعجميته، ففي أي تصريف سيستقر اسم حماس والجهاد الإسلامي؟ الأمثولة رقيقة: نما دعمها في سورية على قدر إغراقهما السلطةَ الفلسطينية في الإهتراء. برزت الجماعتان، ببعض السبق لحماس، في إنتفاضة الفلسطينيين أوائل العقد المنصرم. وكانت الانتفاضة تلك على قدر من الجاذبية في الإعلام الغربي، وفي أروقة الحقوق الكبرى والصغرى بين منابر الخطاب السياسي، فإذا بصاعقة احتلال طاغية بغداد للكويت تزلزل مآثرَ الفعل الفلسطيني، الذي لم يشهد تغليباً لسلاح النار على سلاح الحجر.
تراجع خطاب الأخلاق، والحق، في استئثار المشهد الجديد لغزوٍ لم تشهد الهمجيةُ مثيلاً له في اقتناص الشقيق الكبير للشقيق الصغير: نُهبت حجارة الشوارع، ورخام الأبنية، والأضابير، والمسامير، ثم عُلِّقت إلى الجدران سُبُحات رسوم صدام حسين في كل منعطف، كحالها في استراق النظر الصامت على هواء العراق من كل مئة خطوة في الشارع، وكل بشر في البيوت.


الخذلان الأميركي للفلسطيني، في مسيرة تشرده، أباح للكثيرين تصيَّدَ الألمِ الفلسطيني على نحو يعيده طليقاً في التيه. وكذا فعلت الجماعتان الاسلاميتان، الفلسطينيتان، المموَّلتان من نفط بعض خزائن الخليج، فأباحتا الإحتكام إلى الإنتصار لصدام حين حوصر، وقُهِرَ بفداحةٍ تجلب الشهيق إلى مرأى جيش محطم، مطعون بأهواء الحاكم الطاغية وخفَّتها.


كان محيِّراً أن تنتصر جماعات مغلوبة على أمرها في أرضها المُحتلة لحاكم يحتل شعباً آخر، لكنها كوفئت بهبات صدام، وباستقطاب بعض النزوع من الفلسطينيِّ البسيط، المتألم، إلى الانتقام. وهي رسالة سارع الزعيم الفلسطيني إلى التقاطها فانتصر، بدوره، لصدام حسين، فتلقَّفها إعلاميوه الغارقون في سذاجة البيان الركيك للشعار المُهلهل، يستعيرون ألفاظ "النشامى" و"الماجدات"..الخ، من لسان أبي المعارك. وكان من انزياح المشهد الفلسطيني عن أفق الحرب في فردوس النفط أن قبلت إدارة م. ت. ف بنصيحة الشريك المصري في الاستدراج إلى المعاهدات: هكذا ولدت اتفاقات أوسلو الناقصة البنود هدية من مخاض "أم المعارك"، لكن حماس، والجهاد الاسلامي، ظلتا على نازع اللعب بألم الفلسطيني في سياستيهما، مختصمتين في ذلك إلى الحَكَم البعثي الآخر غرب دجلة - حَكَمَ الشقاقات المتشيِّع لها، الذي كافأَ "جهاد" "الجهاد الإسلامي" بالترخيص لعبور المفخَّخين من شبانها إلى العراق.


لم يُعجب الأكراد، الملاميْنَ على انعتاق خيالهم من صناعة المقابر، بإمبراطور المقابر الجماعية، الآخذة في انكشاف آلافها. سمى بعض الإعلام العربي مفخَّخي الجهاد الإسلامي بالمجاهدين العرب إسوة بالأيدي البيض للمجاهدين الأفغان في ابتكار السواد، وكفَّرَ الكردَ. همسٌ اختلط بالتصريح، في الهرج الذي تصيَّد منه العقلُ العربي "عنصرَ الإثارة" في السرد (كإقفال الصحاف المهرج أبواب دبابات الأميركيين على جنودهم)، وهم يشيرون إلى "علاقاتٍ" مَّا للكرد بإسرائيل. لا بأس. وما انتفاع إسرائيل بكرد لا باع لهم في اختراق المستورات العربية مثل كوهين، أو عبدالحكيم عامر؟ تركيا المسلمة، الحائرة بين عمامة الخلافة وقبعة أتاتورك الأوروبية، لها آصرة أمنية مع إسرائيل. لمصر معاهدات مع إسرائيل خرجت بها إلى التفرُّج على اجتياح لبنان، وإعادة احتلال أرض السلطة الفلسطينية، عاجزة إلاّ عن النصح "الأخوي" بخروج الفلسطينيين من لبنان، ووجوب جلوس فرقاء أهل أوسلو حول منضدة البنود الخشبية. إعلامٌ عربي، فضائيُّ الرحاب، طالبانيُّ الهوى (نسبة إلى طالبان المأسوف على شباب مجدها) ماعاج عن "المؤامرة" الكردية على وحدة عربية مصونة من المحيط الهادر إلى الخليج الفارسي الثائر - وهو فارسي في الخرائط، وفي الأخبار، وفي المعاهدات بين ملل الجوار؛ ماعاج - كحالِ الشقيِّ على الطَّلل البالي - إلى مناسك الشرع الشيطاني في جمع تركيا، وسورية، وإيران، على مراقبة الكرد وفق اتفاق ثلاثي مكتوب، معلن، واجتماعات دورية. قومية تركية، وقومية عربية، وثالثة فارسية: بين سورية وإيران ورقة حزب الله، وجواذب الطائفة، ومعونات. لكن ماذا بين إيران الثورة الإسلامية وتركيا الثورة التغريبية؟ ماذا بين سورية الإبتزاز بأوجلان وتركيا الناظرة - بعد نسيان عربي لما اذَّعته حقوقاً من قبل في كيليكيا، والاسكندرونة المفقودة - إلى الموصل وكركوك؟. كان مرعباً وصفُ الإعلام العربي - بعضه الفضائيِّ المحلِّقِ بجناحي بن لادن، وبعضه المكتوب المعجب حتى الذهول بـ"أداء الصحاف" المهرِّج ـ إدعاءات الترك بالخوف من كيان كردي يُعلن كصواعق الأولمب، والتأسي على أحوال التركمان العراقيين؛ كان مرعباً وصفه على محمل "الخوف المشروع"، في ميلٍ إلى التركيِّ ضد الكرديِّ؛ في ميل إلى التخلي عن كيليكا، والاسكندرونة، ضد كردي لم يفخَّخ نفسه دفاعاً عن قصور صدام. نعم. تركيا، وايران، وسورية، يراقبون "عن كثب" رغبةَ الكردي في أن يبقى كردياً.


الشاب، الموصوم بـ"المجاهد العربي"، صرح للفضائية العربية بموت آلاف من المفخَّخين أمام أحد القصور. لكنه اشتكى من أمر لم يلفت نظر "الفضائية": فهو لم يجد، بعد دخوله العراق، ماكان موعوداً به من لقاء مسؤولين ينظمون، و"يموِّلون". كان "المجاهد" ينتظر انقلاب كلمات القائد - حفظه الله ورعاه - إلى لحم وعظم في التهديد بإحالة بغداد جحيماً، فإذا برُسُل الجهاد الإسلامي حيارى في التيه: لا حرس جمهوريٌّ، لا دمى عدي، لا صحَّاف. هربوا أجمعين مُذْ هرب الزعيم - أبو المعارك بوزرائه، وإبنيه، وعائلته، تاركاً وراءه ما يؤجج حزنَ الفضائيات العربية في بلدان ترعى حقوق لسانها الناطق، وحزنَ صحافةٍ تستدير من أفق الحرية المكتوبة إلى الطاغية كمثال لما تريده في عالم بلا همسٍ حتى. لقد ترك صدام لحزنهم إسمه المنثور كغبار طلع النخيل المنكوب على الشوارع، والمدن، والمطارات؛ وترك رسومَه الحجرية، والمعدنية شفاعةً لخيال الإعلام المرئي، الذي رأى بعضه، فـي إحدى نــدواته عن مستقبل مناهج التعليم، أن أي تغيير فيها هو استكمال لتدمير روح العــراق، وخطــوة على النقــلة من بهجة الماضي إلى شقاء المستقبل "المعتم".
"الله. الوطن. القائد.": تلك كانت منظومة الخيال البعثي المرفوعة شعاراً نافراً على بعض الجدران يُرى عياناً. والأرجح أن القائد المناضل عن إباء العائلة في تكريت أزاح الوطن عن السياق المعروف في تخصيص الأوطان بالتعريف، وبقي وحده في سدة عالم الشهادة: صوره على أوراق النقد - رمزِ سيرورة الدولة في المبادلات، وعلى الطوابع، وعلى كل صفحة من صفحات كتب مناهج التعليم، التي رأينا الأطفال يحملونها إلى مدارسهم المنهوبة: صورة الرئيس، إذاً، كانت "المناهج" التي أقلق مصيرُها عقلَ بعض الإعلام العربي.


في معرض التذكير بإزاحة القائد للوطن يتوجب النظر إلى ابتهاج الإعلام العربي بعودته إلى الشارع حياً، مبتسماً، جذلاً، ترفعه الجموع كابتهال للقدر. الفضائيات المرئية من أرض الشقاء العربي كانت تتبارى في ابتكار تشويقها للعامة، والرعاع، والدهماء، والسوقة، والغوغاء. (بلا اعتذار من استعادة صفات هي من موجبات عقل التفضيل الطبقي النذل، بعدما عاد الشارع العربي إلى مطابقة نفسه مع الخواء الدليل). خُطب القائد الهارب، المصورة لـ"رفع الهمم"، تخرج من محفوظات شهور سابقة، أو تُعرض طازجةً بوصولٍ آمن إلى أيدي مذيعيها. حتى الصحافة العربية العائمة على حريةٍ في الغرب، والأمينة - في الآن ذاته - لمبادئ التربية "الراسخة" في "جمالية القتل"، جارت الفضائيات برسائل مصوَّرة من الزعيم طارت من بلد بلا كهرباء، مع بُراق الشهوات والرغبات، واضحةَ الحروف؛ واضحة المعاني.


خرج الزعيم إلى الشارع حياً، فوجد المنقَّبون في أرض الأقدار الخفية مساربَ إلى استخلاص العِبَر: لقد انتهى الغرب وغزاته. لا بأس. كيف استطاع معجب بصدام حتى عظامه أن يرى القائد ضاحكاً، مبتهجاً بنجاته، في يوم سقوط بغداد؟ أكانت صورته حياً هي وحدها مبعث النشوة لدى رعاع دهماء غفلوا عن انهيار الدولة برمتها بلا مقاومة يعتدُّ بها؟ القائد - إذاً - هو الوطن - بجلاء. والجيوش التي أنفق القائد المخلوع، والقواد العرب غير المخلوعين مقدرات الدولة على بنائها، هي - بجلاء - ذراع الحاكم في تحطيم الداخل، لا غير.


إذاً، لم ينهض الكرد "الكفرة"، في خطاب الفضائيات والإعلام المجاهد - أسوة بالمجاهدين العرب - إلى المدافعة الواجبة "شرعاً" عن الرئيس، الشديد الإيمان بمطْهَر المقابر الجماعية، صدام، ونجليه عدي وقصي، سابيَيْ قلوب عذراوات بغداد على مبدأ الشرع الطاهر في صوت الشيخ كاظم الساهر، الذي نرى إجازةَ المشيخة له بفُتيا الاستتباع الضروري في منحها لأسامة بن لادن، الفاتك، المجتذب إلى فخِّه أساطينَ الغرب لتلقينهم دروسَ الصحافِ الأُلْهْوب.


بحق الآلهة على ذلك الإعلام العربي - الفضائي المقيم في هامش الحرية ببلدانه، والمكتوب المترف بنعـمة الحـرية في الغرب - لماذا ليس من حق الأكراد "خيانة" صدام حسين؟ ونحن نستعير لفظ "الخيانة" مجـذبةً للتـسامح وفق تعبير يناسب خطط العقل العربي في التخوين والتكفير. لماذا ليس على الأكراد إعلان نوازعهم (الهوجاء) في الحنين - كبشر، لا كقطيع - إلى عالم بلا مجازر لهم ولدجاجاتهم؟ إعلام عربي، في الحدود المضمونة لنجاته من قصاص الشرطي، لا يحسن إلاّ التبشير بـ"الخوف من الحرية"، وإشاعة حسِّ الكارثة، والريبة، في كل مظهر من مظاهر عراق ما بـعد الطـاغية.

الحضور الحيويّ للأكراد بعد انهيار نظام صدام حسين، بات يؤرق غالبية الكلام السياسي العربي السائد. وهذا المقال "الأدبي ــ السياسي" يتلمس حساسية المسألة. نشرنا أمس حلقة أولى وهنا حلقة ثانية أخيرة.

لم يأت الغرب إلى العراق محمولاً على إيمان مواثيق الحرية للشعوب. سنؤيد الفضائيات والأرضيات العربية في ذلك، وسنقسِمُ على صحته من أفواه المذيعات الباكيات على العهد الذهبي للملا عمر، بشفاه نفختها عمليات التجميل اقتداءً بالجمال المنكوب تحت براقع نساء طالبان في الزرائب، ومن أفواه مذيعين ذوي ربطات عنق غربية نسوا ارتداء عماماتهم. حرية الشعوب كانت، أبداً، في السطر الممحو من مواثيق اقتصاد التبعية للغرب. وهو سطر يُعاد تدوينه، عادةً، وفق الجَبْذ والنبذ في العلاقات، بحسب تعبير قانون التوازن الفلكي المعتلِّ، والمختلِّ عقلاً وطبيعة. طالبان النظام ـ الذي لا يقع عليه لفظ نظام ـ ترتيب لونيٌّ على ورقٍ رسم عليه الغرب صورة الشرق في "واجب حدوثه" بالقوة، كما يقول عقلُ الضرورات. وصدَّام حسين طيفٌ في موشور الخليج أبقى عليه الغرب، في برهة كانت الإطاحة به فيها، بالتحالف بين المذاهب والأعراق، أمراً كالنفخ على هشيم. لكن دعاوى انحلال العراق أمصاراً وأقاليمَ، جعل "التسامح في القصاص" المنافق حمَّال سياسة رأت ـ بالصريح المبتذل ـ أن عراقاً مهلهلاً بقيادة نمر من ورقٍ هو أوفى المعابر إلى حركة قواعده العسكرية والمدنية والسياسية والاقتصادية واللغوية. وكان حظ الغرب مذهلاً في تحريض صدام على بقاء الغرب، عبر تهديد متواصل بالانتقام من الجيران. فما الذي تغير اليوم؟
استُنْفِدَتِ اللعبةُ: حمل أسامة بن لادن إلى أميركا هبوباً من بساط الريح في "ألف ليلة وليلة" إلى معاصر الاقتصاد المُدارة بالطواحين. صُعِقَ من صُعق، وتزلزل من تزلزل، وتخبط من تخبط، وانزمَعَ من أخذتْه الزَّمعةُ. خيال بن لادن الجامح ـ خيال شهر أيلول (سبتمبر) طحنَ المعقولات الوقائية في نص أميركا الواقعي، المبني على مذاهب الصراعات "الواضحة" وقوانين آلاتها. هكذا لم يعد في وسع الأميركي الاكتفاء بحصار النمور الورقية، بل بوجوب حصار العظام ـ المواد التي لا قانون يضبط تداول أفيونها الكيماوي والعضوي في الأمم المنشلَّة والمنحلَّة تقريباً. لقد ذهب بعضُ أخلاق الصراع بأخلاق الصراع كله، في لعبة تنقلب على الجميع، من تشجيع "الأصولية"، برئيس "مؤمن" هنا، ورئيس "مناهض" لكفر الاشتراكيات بالإنسان هناك؛ ومن الخلط المروِّع لجماعات الدين بين الغاية والوسيلة: آلاف المسلمين سقطوا أشلاء في الطريق إلى قتل شخص "أوروبي" واحد. لقد نصبت إحدى فضائيات العرب عنواناً صارخاً تحت خبرها الوارد "عاجلاً": "تعرُّضُ مصالح غربية لهجومٍ انتحاريّ". وماذا كانت "المصالح" الغربية تلك؟: فندق مغربي في الدار البيضاء، ونادٍ يهودي (!!!!). والقتلى؟: عشرات المغاربة.

الكردي مصلحة غربية، في الإشارة إلى "تقصيره" في حماية قصور صدام؛ اليهودي (الذي دربناه في ديارنا على الهجرة متسللاً عبر الحدود، بمنع أية وثيقة سفر عنه، وعرض الخيار عليه، في الدراسة الإعدادية والثانوية، بين حضور حصة الدين الإسلامي، أو المسيحي)، اليهودي مصلحة غربية. الأشوري، والكلداني، والسرياني، والأرمني، مصالح غربية ربما. لم يُقَل ذلك بعد، لكن ربما. أهي جماعات الدين وحدها، بلسان الفضائيات والأرضيات، حصانة الأمم العربية اللامتحدة في وحدة طهرانيتها؟ صور بن لادن، وصدام حسين تتصدر مهرجاناتها. صدام جاء بأوسلو كبعير عريق إلى شارع الفلسطينيين، ثمرةً لا ندري لماذا لا تحتملها جماعاتُ الدين. ثم جاء ببعير "خريطة الطريق"، أيضاً، فأنكروه.

"الهداية" في صوت بن لادن بإشاعة الموت، والترويع الذي تجتذب مقدماتُهُ الفلسفية الدمويةُ نتائجَها من الغرب إلى الشرق، و"الهداية" في الجهاد الذي أبلى أبو عدي في ساحات بغداد، هما وفاق عقل الكهف بتدبير الغزوات، في الأزمنة السحيقة، لكنه طاهرٌ هذه المرة، غير همجي، بالتكفير الموجب لإعداد الجيوش إلى "الأنفال" ضد.. مسلمين، أكراد.

ربما يقع الكرد، في السياق المنطقي لمقولات المعلِّميْنِ الأرسوزي وعفلق، في المعترك عثرةً إلى الوحدة العربية، على هَدْي البعث، وعثرة في المعترك إلى الوحدة الإسلامية على مذهب المدافعة عن قُصي بابا، سليل علي بابا، الهارب بقافلة من مال العراق. والكرد، على الأرجح، ليسوا "ضحايا بريئة" كما يحاولون التظاهر بذلك منتفخين، من كيماويات مزعومة، أمام عدسات التصوير. اجتماع الحلف الغامض، الثلاثي، التركي، والسوري، والايراني، على تخصيص النظر إلى قَدَره "المرفَّه"، "المُعافى"، لا يجعل منه "ضحية بريئة". لكن إذا عنَّ لمعتوه، في نوبة حُمى مملوءة بنداءات الحوريات العذراوات، أن يأتي إلى "حدائقه" العربية بالثور الأميركي، فحطَّم ما حطم، توجب على الإعلام العربي توصيفه بـ"الضحية البريئة". ليكن. إذا كانت مراكز تلقين الفكرة الهمجية ضد كل من لا ينتمي إلى أهل الفكرة، المتحصّنة بحقوق الأقاليم الديموقراطية، تستدرج بالقتل العشواء إلى القتل نصف العشواء، فالأكيد أن من يُقتل لاحقاً هو بريء بالضرورة؛ بريء بحصانة دمه الطاهر، وفكره الطاهر، ورغبته التي لا تُقاوم في امتلاك الفردوس الطاهر. ذلك ما يقوله منطق الإشارة الفضائية المرئية، والأرضية المكتوبة. ليكن. الموتى ـ باستدراج الغرب إلى قتلهم ـ بريئون، فلماذا لا يكون الكردي، الذي لم يستدرج أحداً إلى القتل "غير بريء"؟. ربما علينا ألا نختبىء خلف سؤال نصف برىء، لأن الكردي ـ في الأرجح المحكوم بتوزيع الله، جل جلاله، خلقَهُ الآدميين على أعراقٍ شتى ـ يجد من المتعذر على خِصِّيْصَة عِرْقه التمثُّل ببيان مُلْحِفٍ في شهوة التفوق "الخالد": أمة عربية واحدة، ذاتُ رسالة خالدة.
 
هو، إذاً، عثرةٌ ما، وعليه التأسي ـ كتأسي جماعات الدين على جهاد صدام ـ أن الوحدة العربية تتعثر به، من اليوم الذي نهض فيه عبدالناصر إلى اليمن بالحديد فأخفقت وحدة الحديد؛ واليوم الذي جمع مصر، وليبيا، وسورية في وحدة نسينا تسمياتها، فشُرِّد العمالُ المصريون من ليبيا بلا أجور حتى؛ واليوم الذي جمع سورية ومصر في وحدة عرف منها السوريون، للمرة الأولى، كيف عليهم أن يخرسوا داخل الجدران من رقابة المخبر الموزَّع نسلاً هائلاً بين البيوت، فانهدمت الوحدة؛ واليوم الذي عرف فيه اليمنان الوحدة بعنوة الحب الفاتك، والحبل "الوحدوي" على غارب بعير المؤامرات. بالطبع، ليس للكردي يدٌ قط، في انتساب كل جماعة من الأقاليم الناطقة بالعربية إلى ما ابتكرتْهُ من خصائص تحفظُها كياناتٍ متمايزةً بالأسماء التي تنتسب إليها، وبالصفات المُجْتَلَبةِ من ماضٍ ما عريقٍ. كل إقليم خصّيصةُ خيالٍ من مصونه الجغرافيِّ، ومصونه الَّلهجي، ومصونه المتحقق عمارةً، ورسوماً، وزيّاً. هي خصائص أورثت الشخصية ـ في الحدود الجغرافية المشمولة بحفظ القانون لكيانها وحدةً بذاتها، ذات نشيد، وعَلَم، ومتحف ـ عصبيةً للعرق لا تُخفى إلاّ على المؤمنين بأساطير الوحدة وخرافاتها.
ربما مال المائلون إلى ركائز لزعم "وجوب" الوحدة (بالتراضي المعدوم)، مقامُها الدينُ، واللغةُ، والجغرافيا، هذا العنصر النجيب في فُتيا القومية. لكن الجليَّ، المتداول حالاً بعد حال في التاريخ الدموي الحديث (حرب اليمنين، حرب ليبيا ومصر في عهد السادات. حرب العراق والكويت. حرب مصر والسودان في فاصل بينهما. الدسائس بين الجزائر والمغرب على مقام الصحراء الغربية.. الدسائس المنتهية بإعدامات بالجملة بعد تقارب غير مفهوم، مرة، بين البعثيين على ضفتي دجلة...)؛ نزعم أن الجليَّ المتداول هو أن الاحتكام إلى سند الدين مثْلُهُ مثْلُ مجراه بين باكستان والسودان، والاحتكام إلى اللغة هو كمجراه بين فرنسا وبلجيكا. أما الجغرافيا فحدِّثْ بما فيه حَرَجُ الريح، والجبال، والشمس: لماذا لا تكون أمم العرب شمالاً امتداداً لتركيا؟ ولا أمم العرب شرقاً امتداداً لايران؟ ولا أمم الجنوب امتداداً لمساكب دول أفريقيا؟ لم يكن لأحد كيان بذاته خارج حدود الإمبراطوريات؛ والاستقلالات "المشوَّهة" الحديثة تفريعٌ سياسيٌّ لمشكل الوجود ذاته كأمَّة واحدة "بالقوة" الفلسفية. أم أن الهواء مفصَّل على قواعد الإعراب بلغة الضاد؟

لا. الكردي لم يعرف من أوجه الأمة الواحدة، كشعوب الأمة الواحدة ذاتها، غير جيوش من حصالة القبليِّ في الولاء، أو العائليِّ. جيوش تروِّع الجمادَ بضراوتها داخل سياجات المزرعة، والزريبة، تسقط في أيام أمام محتلٍّ أميركي، فيما تعيش عقوداً بعد عقود منتصرةً في "أم المعارك"، و"معركة الحواسم"، (التي اتخذتها إحدى فضائيات القرون الوسطى شعاراً في هرب أبي المعارك)، و"الأنفال"؛ وفي تنضيد المقابر الجماعية شطوراً تحت شطورٍ كمُعلَّقة شِعر؛ وفي صون "قصور الشعب" ـ براهين حفاوة الأب الطيب بأبناء شوارعه، فيما لا يتجرأ أحد على الاقتراب أربعة فراسخ من أسوار "السر الخالد" للحاكم الخالد، مُنْتَخَباً مدى الحياة، أو مورِّثاً التركةَ بنقل زريبة الجمهورية من حديقة الأب إلى ابنه، وأحفاد أحفاده.

ربما لم يسقط هذا الجيش العتيُّ، الغيور، الأبيّ في هجوم الغزاة على بغداد. "نظرية الصفقة"، المسطَّرة بركاكة أين منها أغاني بدوية الصحراء سميرة توفيق، تتقدَّم، بخَبَبٍ سحريٍّ، خلف جِمال الفضائية العربية وأختها، إلى المشهد. الطاغية، مولى الفكر الفاتن لجماليات البطش، سلَّم البلد إلى احتلال المتحالفين في صفقة لا يبدو فيها من الوضوح شيء سوى نجاة الطاغية، واختفاء عائلته بخزائن المصرف المركزي ـ عنوان رسوِّ الدولة على قدرات المقايضة بين الأمم. فضائيات الاحتفاء بالهمجية في صورتي بن لادن، وصدام، ستصرُّ، حتى آخر رمق في انهيار البعث، أن الابتذال الساحق في فرار أبي المعارك هو "بسالة" أمِّ الحواسم في الإبقاء على عراق "غير مطحون": إنها نباهة البصيرة الإعلامية في تشخيص "عافية الانهيار".

الجيوش العربية، المتخصصة في تلقي الإهانة من الحاكم عبر تدبير الرتب، وتوزيع المناصب والمكاسب، وعهد الإمارات إلى العائلة، وتفضيل دم النسل الواحد على الكفايات، ما نوازعُ قيامها باستلهام المعنى من "الوطن التجريدي" في الشعار؟ القطعاتُ العسكرية، الأكثر تدريباً، والأكثر ولاء للطاغية، والأشد رفاهة، تُعفى من أن تُمتَحنَ في معارك خارج أمن القصور. إنها ملزمة بقانون "القائد ـ الدولة"، وليس أبعد من ذلك إلاَّ التراب النافل: ثلاثة أرباع موازنات أقاليم "الرسائل الخالدة" تذهب إلى "الجيش"، فيما الجندي العادي يتسول الخبز، ويتسول الموتَ مكشوفاً في حروب ليست حروبَ وطنه قط. لكن "المحللين" المتقاعدين من هزائم لا تنتهي، يحضرون برتبهم العسكرية الآفلة إلى منصات الإعلام، لتشخيص المشهد، لا بتوصيف الخراب الذي تآكَلَه، بل باستلهام الإنشاء الابتدائي في "تأمل" المعاني من طلقات متفرقة ضد تحالف الغرب الخفيض، ليجعلوها سنداً في ولادة دحرٍ بلا نهاية. بعضهم لجأ إلى تأويلٍ كتأويل المتصوِّفة للمتصوِّفة، فرأى في الحجب الأميركي المطبق لمعركة مطار بغداد الدولي (لم تُسْمَح حتى لجرادة بعبور الحزام المدرَّع) إخفاءً لخسائر "لا توصف"، وصفها على نحوٍ تفصيلي (!!!) على مقام الإثارة في بلاغة الصحاف ـ أبي الإعلام العربي بلا تشكيك في "كيلوس" الوراثة: "صُودر التبغُ من الجنود الأميركيين، وأوصدت عليهم أبواب دباباتهم إذلالاً"! "محللون" من رتبة الصوفيِّ، لهم "عيونٌ" أرضية و"فضائية"؛ عيونٌ إشراقاتٌ سُعِدتْ بها شعوبها تُخمةً من "انتصارات" فدائيي صدام، والانتحاريين، الذين تبثُّ فضائيات "الجهاد" العربي أخبارَ جثثهم من شوارع إسرائيل، بتراخيص "عادية" في تجوّلٍ وإقامةٍ لا يملكها الكرديُّ المشكوك في انتمائه إلى "الرسالة الخالدة"، والمطعون في دفاعه عن خلوِّ يديه من أية مواثيق لـ"إقامة وتجوُّل" في إسرائيل.
جيوش فرَّغت "الداخلَ" العربي من القانون. جيوشٌ استخبارات، وجيوش شرطة لتحصين "الداخلَ" العربي بحراسة قوانين الطوارئ الأبدية. كل تذمُّر، أو شكوى، أو اعتراض، هو إخلال "بثوابت الداخل" المتماسكة كخلود الرسالة. لم يبق ما يدعى "داخلاً عربياً". فتَّتت الأنظمةُ اعتراض المختلفين على أدائها بالقتل، وبالاغتصاب، وبالسجن، وبالإخفاء، وبالملاحقة بالأسلحة المكتومة الصوت حتى أبواب بحر الظلمات، وبالخطف إذا اقتضى الأمر، من داخل عواصم عربية "تحفظ" ذِمَمَ الملتجئيْن.
لم يبق في الداخل العربي إلاَّ النظام وحَرَسُه، فكيف انبثقت دعاوى وجوب "التغيير من الداخل"، بقوة ألف حصانٍ طرواديٍّ، في احتلال العراق؟ الأنظمة، التي وحَّدها ميثاقُ هذا الشعار المذهل في النفاق المتبادل، هي من دحرج مصكوكَ "التغيير من الداخل"، البريء، إلى خطاب الرعاع، والدهماء، والغوغاء، بعد اطمئنان ذهبيٍّ إلى أن الداخل مُلْكُ شرطتها، ومخبريها، والمرفهين من احتكار مصادر الدولة ومواردها، إثر عقود من "تنقية" هواء الأمة من أنفاس الحالمين بحياةٍ أقلَّ رثاثة. أتى الأميركي ليأخذ ربعَ النفط العراقي، أو نصفه في الأرجح. احتلال صريح في عرف الأعراف. أمر مؤسف. لكن، ربما انتفع العراقيون بالنصف الآخر، بعدما كان، في كامله، ملكاً لصدام، وقصي وعدي. أيوجب هذا القول أخذنا على محمل ترحيب بغزو؟ بلى، سنؤخذ بذلك ـ نحن المهدّدين "عافية" الداخل العربي، ونعمةَ عدالته. غير أننا سنؤكد أن الاحتلال هو احتلال. وأن التغيير الآتي من الاحتلال ليس إلاَّ اقتباساً من السطور الأولى في معاهدات الإستقلال العربي المفكك جداً، والعشوائي، عن إمبراطورية بني عثمان، برعاية موزّعي الجغرافيا على القبائل، والعشائر. ولما دالت الدول أُجيزَ حكمُ السياسة بـ"أيد حديد" للبعض، وبانقلابات ـ مذابحَ لبعضٍ آخر، لا استثناء في السياق إلاّ لبنان، الذي يُنتخبُ رئيسُه، بعد الانتدابات البعيدة، وبعد "الانتدابات" القريبة.

لاداخل عربياً يمكن تغيير داخله القائم على ترتيب "خارجي" في أساس "نهضته" كمزرعة، والأنظمة، التي دحرجت مصكوكَ ذكائها إلى أيدي الرعاع، والدهماء، والغوغاء، والعوام، اجتذبت إلى المائدة مثقفي أقطارها، وأنصافهم، وأرباعهم. بايع هؤلاء وعيدَ الرعاع، وفكرَ الرعاع، في المناضلة عن "التغيير من الداخل"، بأيدي أهل الداخل المقطوعة.

كان المثقفون، قبل محنة الفكر الجديدة بين يديِّ الصحَّاف المُلْهِم، ذوي "رسالات" في استنهاض الشارع العربي، بحسب الزعم، للارتقاء به من عدم فهم "حقيقته الطبقية" و"حقيقته الاجتماعية" و"حقيقته الفكرية"، إلى "تأهيل" يتعرَّف به الشارعُ "مصالحَ إنسانيته"، وشروطَ حريته، وسياقَ بنيته كحامل لدولة العدالة، والمساواة. لكن الشارع ـ الرعاع، والسوقة، والعوام، والدهماء، والغوغاء ـ "نكص" عن السياق "الواجب" لسيرورة التاريخ "الحالم" بالأسباب التي تعزى إلى نهج التدمير المنتظم لمؤسسات الفكر داخل بلداننا الحديثة، وكذلك إلى الإخفاق "الرفيع" في مناهج الأحزاب، وأداء المثقفين العشائري، والقبلي، والمذهبي العاصف بالحياة المدنية المنكوبة عن يد الدولة العسكرية.

"نكص" الشارع عن وعدٍ برفاهية في الحياة، ليستسلم لوعد الدين برفاهية في الموت. ثم أعيد تنظيم الفكر على أُسسه الغامضة الأولى: الوطن التجريدي في مواجهة "الخارج" المتربص، وعصبية المُعْتَقَد بإزاء "الخارج" الصليبي. وها هي "الطليعة" الفكرية للنُّخَب العربية "العالمة" تنحو إلى النكوص ذاته، في دعوى تمثيلها الشارع، متهاويةً إلى تأييد الرعاع، والدهماء، والغوغاء، والعوام، والسوقة، في ميزان الحاكم القاهر؛ وفي العصبية "للداخل" المفرَّغ الأحشاء ضد "الخارج". إذاً، عاد الرعاعُ "طليعةً" في الأخذ بيد النُّخُبِ النجيبة إلى حلمها بالرفاهية في الموت الذي لا يخذل فردوسُه أحداً، بعدما تأكد بالبرهان الذهبي أن فردوسَ الحياة تخذل كلَّ أحد.

كلهم "ينحدرون" إلى الشارع الآن بإيمانٍ راسخ في دعوى "التعبير" عن الشارع: المذيع المرئي، والصحافي اللذان نسيا ارتداء عمامتيهما؛ والمذيعةُ المرئية شقراءَ بنعمة الصباغ، والصحافية اللتان نسيتا ارتداء برقعيهما، فيما يهرول المثقف، الباحث عن جُبَّة، إلى الخياط، بعد خلط البكاء على الشعب بشهقة اللوعة على مصير الحاكم، متَّحدين، جميعاً، للمرة الأولى في التاريخ الحديث المطهو بلا توابل، مع "جامعة الدول العربية" في "التحذير" من يقظة البركان الخامد، وخطط تقسيم البلدان.

"جامعة الدول العربية" أم جامعة الأنظمة العربية؟ منذ ابتداع هذه البيعة لمؤسسة مصكوكة القوانين على "جمع الشمل الأخوي"، أسوة بزعامة القبليين، وأمورها في حالٍ في فساد التدبير إلى حال في فساد التدبير. ليس في موجب شرائعها قسرُ أحدٍ على انتكاب الشر، أو توبيخه ولومه على احتقار سنَنِ الأخلاق. دعوات إلى ضبط النفس إذا تهارَشَ بَلَدانِ، أو تنابذا بالألقاب بوساطة الصواريخ. أما انتهاك حقوق الكائن البشري، في سجون الجغرافيا، وذبح المعترضين "مسيرةَ الرفاهية" تحت السرادق الطويل للقبور الجماعية، واغتصاب الأطفال بجرائر الآباء كي يعترفوا بما ارتكبوه وبما لم يرتكبوه، وقتل العمال العرب في بلد عربي آخر على نهج استعباد العرق الغني للعرق الفقير، وانتخاب رؤساء أبديين في انتخابات لا يخوضها إلاَّ الرئيس نفسه، وخطف الاستخبارات العربية للمعارضين الهاربين إلى بلدان أخرى، وسحق مدن بالدبابات، وبأمطار الخصب الكيماوي، واجتياح دول لدول وانتداب الجيران على الجيران، وتدمير معالم طبيعية أكثر عراقة من الرسائل الحديثة الخالدة، مثل أهوار العراق الفريد، فهذه، التي لم يستذكر خيالُنا المتعبُ غيرَها، "أمورٌ داخلية" على مرتبة "التغيير من الداخل"، لا تتداولها جامعة الأنظمة العربية خوف "شق" الصفوف المتراصَّة بالملاط، و"إغضاب" العدل الموفور للحاكم المُرهف كقلب العاشق.

في الذي شهدناه من عالم الفضائيات الجاهلية، أن المذيع إذا أخطأ في ذِكْر شيء بغيره، لا يعتذر، بل يضيف كلمة "أو" إلى السياق، ويمضي على عاهن سُلطته في إرشاد الخليقة إلى عقلها. فإذا قال: "الجِمال" والمراد "الجَمَال" صحح الخلطَ بـ"أو". وإذا قال: "ألف قتيل"، والمراد "ألف جريح"، صحح الخلط بـ"أو". وإذا قال: "الصين"، والمراد "أستراليا"، صحح الخطأ بإضافة "أو". مئة بغل، "أو" مئة إنسان. "أو" حرف عطف، في اللغة العربية، على معاني الإباحة، والإبهام، والشك، الخ، لكن لم يصل إلى عِلْم فقيه موحى أن "أو" حرف عطف على معنى المطابقة والمماهاة. تقول: جاء زيد أو عمرو. نعم. لكن ذلك لا يجعل من زيد المهرج عمرواً من "وول ستريت". هذا في منطق اللغة ببينونة التعيين، وفي منطق القرائن والمتخالفات بالهوية. غير أننا نقيم في منطق "خيار الخطأ" كصواب بإضافة "أو" إلى الحياة: "نحن في جحيم"، "أو" في نعيم، داخل مزرعة الحاكم"، وعلى السامع أن يفهم المذيع الفضائي بلغة الضاد. المعلِّم الجديد لحقائق "الإشراقات" العربية ـ بعد أسلافه الثلاثة الأرسوزي، وعفلق، وبن لادن ـ الدكتور أيمن الظواهري المنبثق من قاعدة "أو" بين الصواب والخطأ، أضاف إلى أمم الكفر أرضَ النروج، في توريث الهمة إلى "عُمَّال الجهاد" في العالم. ربما قصد الدانمارك، أو إسبانيا، اللتين أغفلهما من سجل القتل. لكن، لا يهم. أمُّ مهازل العطف ـ حرف "أو" ـ لم تجد في إقصائها عن الخبر إحراجاً. ظلت النروج هي النروج. فإذا اقتدى أحد الرعاع بفُتيا الظواهري فقتل نروجياً، وانتقم نروجي لبريء من ملَّته بالاعتداء على مسلم في شوارع أوسلو، اجتمع النُّظَّار، الشُّطَّار، حول منضدة ندوة القناة الفضائية لبحث "الجذور" الصليبية للنروج، وتربصها منذ الأزل بالإسلام.

خطأ مقصود، من ذاكرة الظواهري الدموية، في استذكار الإسم المقصود، ينبغي أن يقود إلى صناعة معجم من المجازر، حتى يكتمل لآباء المهازل سياق التورية: الصليبية قائمة، شاء الواقع أم أبى، في نفس كل مسيحي. والغرب، بالضرورة، هو المعتدي على بن لادن، والملا عمر ـ الأمير المؤمن بدنس المؤسسات الأرضية في قيام الدول، مبتكراً نهضةً لأفغانستان على تهريب الأفيون ـ رحيق السماء، مقتدياً بشرع تصدير الوباء إلى أمم الكفر.

كلنا خطأ مقصود في اللغة على نهج استذكار الظواهري لإسمٍ غير مقصود، ينبري إليه الإعلامي العربي بشرع الإضافة: الحاكم "أو" (نعني) الشعب؛ الموت "أو" الحياة، الاستعباد "أو" الحرية؛ الفناء الزمني "أو" الرسائل الخالدة؛ صدام "أو" (نعني) العراق.

قال لي المُعَلِّم في الصف الإعدادي، حين ذكرتُ كرديَّتي على محملٍ بريء: إذا كنت كردياً فعُدْ إلى تركيا (؟!). لم أقل بعد لأبناء المعلم وأحفاده: ارجعوا إلى الجزيرة العربية، وسنتكفل نحن بالعودة إلى مسرح لم نخرج منه، مستعيديْنَ أسماءَ حجارتنا، التي لن يقدر الفناءُ الخالد أن يتوسَّط للرسائل الخالدة بنعمة تعريبها.
 
المصدر: الحوار المتمدن
آخر تحديث ( السبت, 11 ديسمبر 2010 14:31 )
 
الصفحة 1 من 2

حوارات

كتاب عديدون يحملون هويات مختلفة كتاب عديدون يحملون هويات مختلفة 06.02.13 - الباحثة الفرنسية ماري...
لم أوقع على لائحة الجهاد لم أوقع على لائحة الجهاد 06.02.13 -  الداعية عمرو خالد ...
الطاقة الخلاقة عند العرب غير موجودة الطاقة الخلاقة عند العرب  غير موجودة 06.02.13 -  أدونيس: الطاقة الخلا...
نجم الدين كريم: المسؤولون الكرد لا يبالون لأحد نجم الدين كريم: المسؤولون الكرد لا يبالون لأحد 28.08.10 - حوار : عبد الرحمن علي ا...
إلـى كل هندي أَحــمر انقرض نوعه عل إلـى كل هندي أَحــمر انقرض  نوعه عل 16.07.10 - إلـى كل هندي أَحــم...

الأعضاء

الأعضاء : 15
المحتوى : 68
عدد زيارات المحنوى : 36020

المكتبة